الشرعية العوراء أو مزدوجة المعايير لا يمكن أن تكون شرعية ، و«الشرعية الدولية» حينما تساوي بين القاتل والضحية ، والمعتدي والمعتدى عليه والظالم والمظلوم لا يمكن أن تكون عادلة ، تلك التي تهب واقفة من أجل أسر عسكري صهيوني واحد ، ولا تحرك ساكنًا من أجل شعب مختطف ، هي شرعية إما أن تكون فاقدة للعقل أو للضمير، أو صدرت قراراتها من محكمة بغير قضاة تطبق قانون الغاب في واقع مرير.
وحينما يحذر عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية من تلاشى المرجعية الدولية بسبب تقاعس مجلس الأمن في وقف العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة ، ومن خطورة إصابته بالشلل ، إنما يشير إلى خطر فقدان العدالة الدولية تحت ضغط القوة الكبرى الوحيدة المتحكمة في هذا المجلس ، والتي لن يكون لها نتيجة إلا سيادة البلطجة الدولية في ظل قانون الغاب .
مجلس الأمن حين يدعو أولا ، لإطلاق جندي صهيوني محتل لأراضى الغير بالقوة أسره المقاومون في معركة عسكرية ، بينما يصيبها الخرس عن المطالبة بإطلاق سراح عشرة آلاف فلسطيني، يطالبون بتنفيذ قرارات « الشرعية الدولية » الممنوع تنفيذها على إسرائيل ،لا غياباً لحقيقة و لكن غيبةً لضمير أو خوفاً من بلطجي كبير ، لا يقوم في الواقع فقط بتغييب «الأمن الدولي» بل أيضا بإشاعة «الإرهاب الدولي».
وعندما تتناقض تلك الشرعية مع ذاتها ومع ميثاقها ومع المبادئ النبيلة التي أكدتها وبشرت بها ، المتمثلة في مناهضة الاستعمار ، وتجريم الاحتلال ، وشرعنة حق الشعوب الواقعة تحت عدوان الاحتلال في المقاومة المسلحة ضد المحتلين بما ينطبق على المقاومين في فلسطين والعراق ولبنان لتحرير أوطانهم. وحينما تصدر من القرارات ما خلط الأوراق بين إجرام الإرهاب المرفوض ، ونضال المقاومة المفروض ..فإنها تقع في حالة من الانفصام بين المشروعية الإنسانية واللا مشروعية القانونية والأخلاقية.
وعندما تسقط هذه الشرعية المدعاة في الانتقائية في التطبيق،فتصدر قرارات تحت الفصل السابع ضد دول بعينها ، ،كما يحدث غالبا مع القضايا العربية والإسلامية ، والامتناع خوفا عن مجرد إصدار إدانة للجرائم الإسرائيلية في فلسطين ، والامتناع عجزا تجاه الأميركية أو البريطانية بانتهاكاتها لحقوق الإنسان على يد قوات الاحتلال وهي تقتل المدنيين الآمنين وتعذب الأسرى والمعتقلين في العراق خلافاً لما نصت عليه اتفاقيات جنيف ، فأي معنى لهذه الشرعية ؟!
وعندما تضغط في اتجاه تطبيق أحد القرارات الدولية مثلما تضغط لتنفيذ القرار1559 ضد سوريا ولبنان مثلا الصادر في العام الماضي فقط ،بينما تتقاعس في الضغط لتنفيذ قرار آخر مثل القرار425 أو القرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل من أراضى سوريا ولبنان في شبعا والجولان ..
ولا تدين الاعتداءات الجوية على الأجواء السورية واللبنانية ، بل يتخذها المندوب الأميركي والإسرائيلي منبرا لتوجيه الاتهامات الملفقة والتهديدات الإرهابية ضد سوريا والمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال..أو حينما تضغط على حكومة حماس للاعتراف بإسرائيل ، دون إجبار إسرائيل على الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. .فإنها تكشف انتقائيتها وتفقد مشروعيتها.
وعندما يتحول مجلس الأمن ( الذي يمثل حكومة العالم) المكون من خمس دول فقط ،تملك إذا اتفقت، فرض إرادتها على إرادة 191 دولة هم أعضاء الجمعية العامة ( التي تمثل برلمان العالم) ، وتملك واحدة فقط من هذه الدول الخمس بالفيتو تعطيل أي قرار ، بما يؤكد ديكتاتورية الأقلية ، تكون مثل هذه الشرعية مجافية لمنطق الديمقراطية والعدالة الإنسانية، بما يفقد هذه الشرعية شرعيتها.
إن الصورة المنحازة المجافية لمبدأ المساواة بين الدول تتضح ضد الحق العربي والمنطق الإنساني من جانب دولة كبرى واحدة من الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن، حين نرصد أن غطرسة القوة التي يمارسها المندوب الأميركي في مجلس الأمن (الحاصل على لقب «حامى إسرائيل» من المنظمة الصهيونية العالمية) مستخدما الفيتو أكثر من مرة ،ليجعل إسرائيل الخارجة واقعيا على القانون دولة فوق القانون على حساب القضية الفلسطينية.
إننا لا نريد اختلالا لأداء مجلس الأمن بهذه الصورة ،بما يفرغ الشرعية من مشروعيتها ، وبما يمكن أن يؤدي إذا استمر العدوان وغاب الردع الدولي إلى امتداد رقعة الصراع في الشرق الأوسط الملتهب ، ويفجر بؤر المقاومة المشروعة والإرهاب غير المشروع ،بما يهدد السلام والأمن الدولي، بسبب غياب الشرعية الإنسانية وسيادة الشرعية اللاشرعية.
mamoh77t@hotmail.com