وقف إسماعيل هنية خطيبا في صلاة الجمعة وقال إن الراية لم تسقط، في إشارة إلى اعتقال سلطات الاحتلال لوزراء ونواب حركة حماس في الضفة. ولعل من الخطأ الفادح تصوير تداعيات اسر الجندي الإسرائيلي ورد الفعل الإسرائيلي عليها وكأنه موجه لإسقاط الحكومة.. لان حماس تخطئ وكأنها احد الأنظمة التي كانت ترى خسارة الأرض والمال والنفس بسيطا طالما بقي النظام بخير ولم يسقط.
فإسرائيل اتخذت من وجود حركة حماس في الحكومة مظلة لتمرير أبشع إجراءات الحصار والقتل والاعتقال بحق الشعب الفلسطيني، وهي ليست معنية عمليا بإسقاط الحكومة لان وجودها يعفيها من مشقة الدفاع عن إجراءاتها القمعية والحصار المالي والسياسي المفروض على الشعب الفلسطيني وبالتالي يبدو القول بأن الهدف الإسرائيلي هو إسقاط الحكومة ليس دقيقا، إذ أن للشعب الفلسطيني قضية اكبر من الحكومة
لان حكومته الحالية لم تقدم ولم تؤخر ولم يسمح لها او لم تستطع القيام بواجباتها ولم يسبق ان خاض شعب حربا من اجل حكومة بل من اجل قضية.. بل ان الشعب الفلسطيني نفسه لم يخض حربا من اجل ياسر عرفات وهو محاصر ومهدد بالقتل في اية لحظة ولهذا يبدو الحديث عن ضرورة القتال من اجل الحكومة والصبر والصمود من اجلها أمرا عبثيا وليس مطلوبا من الشعب ذلك.
مرة أخرى يبدي الرئيس الفلسطيني عدم قدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في لحظات الأزمة فهو سعى منذ أسابيع لإقرار وثيقة الأسرى.. وذهب إلى غزة لإعلان إقرارها والاتفاق حولها.. ولما اندلعت أزمة الأسير الإسرائيلي وبدأ الهجوم الإسرائيلي على غزة بتدمير البنية التحتية ومحطة الكهرباء والجسور والطرق كان عليه ان يبدأ تطبيق بنود وثيقة الأسرى ومن بينها تشكيل حكومة وحدة وطنية..
لكن من عادة الرئيس الفلسطيني التردد مطولا أمام قرارات ولم يقدم على هذه الخطوة التي لا يختلف عليها احد بعد إقرارها من قبل حركة حماس او كان عليه إزاء قيام إسرائيل باعتقال ثلث نواب حماس ووزرائها وتدمير البنى التحتية في غزة وحصار سكانها وتعريضهم لنقص الماء والكهرباء والأدوية والغذاء ان يعلن عن حل السلطة وتحميل إسرائيل مسؤولية ما يترتب على ذلك.
لكن القرارات المصيرية تحتاج إلى رجال ينظرون إلى الوضع نظرة شمولية من منظور تاريخي وليس من منظور تفصيلي.. وليس أبومازن سوى غارق في التفاصيل وتفصيلاتها وهو بالتالي لا يعير مثل هذا التفكير الاستراتيجي انتباها.. فالاهتمام بمصير الجندي ومبادلته وتطور العمليات العدوانية الإسرائيلية تجعل من الصعب عليه او من الذين حوله أن ينظروا إلى ابعد من ذلك.
الإسرائيليون فقط ينظرون بعيدا.. فهم استغلوا الأزمة لإيقاع عقاب شديد بأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في غزة.. وصارت معاناة جندي واحد أكثر أهمية دوليا من معاناة 5,1 مليون نسمة.. وصارت إصابة إسرائيليين بالصدمة لسقوط صواريخ في سديروت أهم من تصفية عائلات وأطفال بالجملة بصواريخ الاباتشي والمدفعية.. حتى كونداليزا رايس التي لم تفتح فمها بعد اسر جنديين أميركيين في العراق قتلا لاحقا وجدناها تتضامن مع الجندي الإسرائيلي الأسير ولم تتحدث مطلقا عن مذابح العائلات الفلسطينية..
هذا ما قصده الإسرائيليون وهم كشفوا دون مواربة ان خطط اجتياح غزة كانت معدة سلفا بهدف إعادة احتلال شمال غزة وإقامة منطقة عازلة تمنع وصول الصواريخ إلى سديروت.. وهم كشفوا أيضا ان خطة اعتقال قادة ووزراء ونواب حماس في الضفة كانت موضوعة منذ أسابيع لتتزامن مع أعادة احتلال شمال غزة. اذاً كان كل شيء مرتبا من قبل واتخذ من اسر الجندي شرارة الانطلاق..
ففي يوليو من عام 1982 كان الإسرائيليون استكملوا استعداداتهم لغزو لبنان وانتظروا شرارة ما لبدء العملية فكانت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن هي الشرارة التي برر الإسرائيليون بها غزوهم.. وفي يوليو المنصرم أيضا كانوا استكملوا خططهم لغزو شمال غزة وتهجير بيت حانون وبيت لاهيا..
وانتظروا الشرارة أما على شكل صاروخ يؤدي إلى إصابات قاتلة في سديروت او عملية أخرى فكانت عملية اسر الجندي. وهنا من المستبعد ان يكون هناك تآمر فلسطيني في هذا ولكن في كثير من الأحيان تأتي الفصائل الفلسطينية بما من شأنه أن يدعم خطط إسرائيل.. فهل جاء اسر الجندي الجريح صدفة ام كان مخططا له؟
حتى الآن تقول الفصائل المنفذة انه كان مخططا ولكن من المستبعد ان يكون كذلك فقد اخذ الأسر الحكومة على حين غرة وحتى كتائب القسام التي تبنت العملية ثم عادت ونفت علمها بمكان الجندي بدت وكأنها امام عملية مرتبة خارج إطارها الرسمي ولأهداف سياسية بحتة..
اذ لا يخفى على احد وجود صراع داخلي في حركة حماس ولا يخفى على احد ان الذراع العسكري لحماس منفصل عن القيادة السياسية الداخلية وهو يصدع بأوامر قادته في الخارج ولم تجد الحكومة الفلسطينية بعد أيام من فقدان التوازن والحيرة إلا أن تتبنى مطالب أسرى الجندي.
اذاً.. الأزمة بدأت إسرائيلية ونجحت إسرائيل في تصديرها الى الجانب الفلسطيني وصارت قضية الجندي الأسير عبئا فلسطينيا وليس إسرائيليا لان إسرائيل سبق وضحت بأسراها إذا تم أسرهم في داخل الأراضي الفلسطينية ولم تفاوض مطلقا حولهم واغلبهم قتل أما بعد انتظار مفاوضات لم تحدث او أثناء عملية إنقاذه.
وبالتالي تبدو عملية الأسر خارجة عن نطاق مطالبها.. ولا أظنها ستنتهي نهاية سلمية.. فهي أما ستقود إلى إعادة احتلال أجزاء من غزة وتقويض الحكومة وتفكيك السلطة.. او تقود إلى انتفاضة ثالثة. وقد تسقط السلطة والحكومة ولكن راية القضية لن تسقط هذا ما كان على الشيخ هنية ان يقوله.
كاتب فلسطيني
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين