من مزايا الحملات الانتخابية والندوات أنها تتناول القضايا الاستراتيجية التي تهم الوطن، وبالطبع أبرزها حالة النفط في انتاجه ومخزونه وسعره واحتياطيه، وأحسن المرشح عبدالله النيباري اختياره في طرح واقع النفط في ندواته، وهو رجل خبير ومتابع وقاريء وشبه متخصص، وبعد الندوات، نشر عبدالله النيباري في صحيفة الحياة مقالاً في عددها الصادر يوم 24 يونيو 2006،

يتساءل فيه عن أسباب غياب الاهتمام بقضايا النفط في الحملات الانتخابية، وتساءل في ذلك المقال عن مسببات سكوت الحكومة وعلى رأسها وزير الطاقة عن الشكوك المثارة عالمياً في صدقية الأرقام الرسمية المعلنة من الحكومة الكويتية عن الاحتياطيات النفطية وعدم تقديم توضيح كاف للحقائق.

ويتساءل المرشح والنائب السابق عبدالله النيباري عن منطقية الاستراتيجية النفطية للكويت في زيادة الانتاج ومدى تطابقها مع الأرقام التي تدور حول الاحتياطي النفطي الكويت ويتمنى التأهيل الكبير والقادر لإدارة نفطية كفؤة. ويرد الوزير الشيخ أحمد الفهد وزير الطاقة بأن الذين شككوا في حجم الثروة النفطية اعتمدوا على معلومات تفتقر الى الدقة وكانوا أكثر تشاؤما في تقدير حجم هذه الثروة، مبشراً الكويتيين بأن الخير الكويتي «يكفي عيال عيالكم».

ولم يتحمل العضو السابق عبدالله النيباري هذه العموميات في موضوع حساس، وجاء رده بأن وزير الطاقة اتهم النيباري ومن معه بالاعتماد على معلومات غير دقيقة وأن الوزير لم يبدد الشكوك ولم يرد على الأرقام التي قدمتها النشرة المتخصصة في البترول التي تذكر ان الاحتياطي النفطي هو 35 مليار برميل وليس 100 مليار. وكان النائب أحمد السعدون قد وجه سؤالاً يطلب معلومات وبيانات تفصيلية ووافية عن حجم الاحتياطي غير ان حل المجلس أجل هذا الموضوع.

ويذكر النائب السابق عبدالله النيباري ان معلوماته اعتمدت على تقرير داخلي لشركة نفط الكويت صدر في أبريل عام 2001 فيه إشارات بأن خبراء النفط يتوقعون صعوبات جسيمة في الحفاظ على معدل الانتاج، وان الدخل من النفط قد لا يكون كافياً لمواجهة حاجة الإنفاق العام للدولة.ويضيف العضو السابق ـ النيباري ـ بأن التقديرات عن الاكتشافات التي أعلن عنها أخيراً غير دقيقة وهدفها إلهاء الرأي العام عن حالة الضبابية حول الاحتياطي العام.

أين الحقيقة في كل هذا السيناريو حول موضوع حساس؟

أولاً: النفط في الكويت ليس مثل واقع إيران، أو حتى الجابون، هذه دول نفطية واما الكويت دولة نفط، بدونه يختل هيكلها إن لم نقل وجودها، والنفط في الكويت صانع للدولة ولمؤسساتها ولجوهرها، ولذلك فالحساسية مفهومة، وتفرض المواجهة وليس التجاهل، وفوق ذلك تفرض الاهتمام الشعبي الواسع، ومن حق المرشح سواء عبدالله النيباري أو غيره، ان يأخذ النفط كأولوية ويطرحها من أجل جلب الاهتمام والتعرف على الواقع والتعامل معه بجدية، لأن النفط هو العمود الفقري للمؤسسة السياسية والاجتماعية والمعيشية في الكويت،

وقد تم وضع قواعد هذه المؤسسة على أساس استمرارها لحوالي قرن مستقبلي يوفر امتداده للكويت منابع ومصادر دخل عن طريق الاستثمارات والإدارة الواعية للاقتصاد واذا ما جاءت الأرقام وفق ما يدور من تساؤلات عن الاحتياطي فإن الخطة العامة للمجتمع الكويتي ستصاب بالخلل والانقلاب، وستتبدل كل القواعد التي وضعت لمسيرة الدولة المستقبلية.

ثانياً: بسبب النفط وبسبب دولة النفط الكويتية تملك الكويت القوة الاقتصادية التي أعطتها قامة ومكانة واضحة في المؤسسات العالمية وفي المنتديات الدولية ومنحتها نفوذاً ضخماً في الدبلوماسية النفطية عبر أوبك وعبر المنظمات المتخصصة إقليميا ودولياً، وصارت الكويت بالتنسيق مع السعودية والإمارات مالكة للقرار النفطي المعتدل الذي يراعي حقوق المنتجين والمستهلكين ويسعى لبناء علاقات راسخة قائمة على تبادلية المصالح وعلى الاعتماد المتبادل والثقة المطلقة التي تظهرها الأسرة العالمية في جدية المسؤولين في دول النفط المهمة.

ولاشك بأن أي خلل في الاحتياطي النفطي سيدمر نهج الاعتدال وسيتيح للدول النفطية مثل إيران وليبيا والجزائر احتكار القرار النفطي العالمي، ولذلك فإن الشأن في الاحتياطي النفطي الكويتي ليس مثار الاهتمام المحلي فقط وانما يتعدى ذلك الى متابعة دقيقة من دول نفطية وغير نفطية، للتعرف على الواقع،

وبلا مبالغة فإن انكماش الاحتياطي الكويت سيضرب موقع الكويت إقليمياً وعربياً ودولياً وستتبدل الاعتبارات والقواعد التي تنظم علاقاتها مع الدول الأخرى، وستأتي مكانها قواعد وضوابط من النوع العادي الذي لا يؤمن التحالف الكويتي ـ العالمي القوي الذي شيدته الكويت منذ التحرير.

ثالثا: هل معقول ان تعود الكويت إلى مستوى متدن في دخل الفرد والمؤسسات؟ وهل معقول ان ينحسر النفوذ الكويتي الذي بنته الكويت عبر نهج التنمية التضامنية الاقتصادية العربية والدولية الذي نراه في صندوق التنمية وفي المساعدات المباشرة وفي المنح والقروض وتحويلات الوافدين، وفي المؤسسات الخيرية والهيئات الإنسانية المنتشرة في العالم؟

بالأمس وقع صندوق التنمية الكويتي مع مصر اتفاقية لبناء مطار بتكلفة 116 مليون دولار، وتنعم فرنسا على وزير المالية الكويتي بوسام مرتفع، وتشارك الكويت في المنتدى الاقتصادي اللبناني بعد زيارة ناجحة لأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الى كل من بنغلاديش والهند وباكستان وتايلاند، شعارها الكويت عاصمة التجارة والاقتصاد، كل ذلك يأتي من المكانة المالية والاقتصادية ومن النفط بالذات.

كنا في الأمم المتحدة نسمي الدول التي تنتج النفط بكثرة، دول الندرة، أصحاب السلطة الماسية النادرة التي يحتاجها الجميع ويملكها المحظوظون القلائل، فهل معقول ان نخسر الموقع المتميز في صالون الندرة، بعد هذا التطور في الدبلوماسية وفي الحياة وفي الشأن الإنساني؟ وأين ستكون الكويت في النظام الاقتصادي العولمي دون ثروة النفط وخزائنها في الأرض؟

ولعلنا نتذكر صراخ الذين مارسوا الشماتة والحقد عند الاحتلال في اتهاماتهم ضد التحالف بالبحث عن خزائن النفط، ونتذكر أيضاً بأن النفط خلق عجينة وطنية في السيكولوجية الكويتية ورسم خريطة الفكر والحياة لدى المواطن، ولذلك فإن التعامل باستخفاف مع هذا الموضوع لا ينسجم مع دوره الاستراتيجي في رسم حياة الكويت.

رابعا: أتصور بأن البرلمان القادم سيثير هذا الموضوع وسيعتبره من الأولويات الساخنة، خاصة مع الاجماع الشعبي الكامل على ضرورة معرفة الحقائق، ولا يوجد عيب في دعوة هيئة عالمية للوقوف على الحقيقة، وربما أكثر من هيئة لكي يطمئن الجميع على واقع الكويت وعلى مستقبلها.

واعتقد أن من فضائل الانفتاح في القضايا الجوهرية خلق ثقافة عامة وإدراك لا غنى عنه من قبل الرأي العام الكويتي للمتابعة، لأن النفط هو الكنز الوطني الذي تعود ملكيته لجميع المواطنين وتشكل المتابعة الجماعية حصانة لهذا الكنز تحميه من التلاعب ومن سوء الإدارة والتخبط في التصرف.

نأمل أن نتعرف على حقيقة الأرقام من أجل إزالة اللغط الذي فجرته مداخلة المهتم بالشأن النفطي دائماً عبدالله النيباري خلال حملته الانتخابية.

كاتب كويتي

abdullah bishara@yahoo.com