العجيب أننا اليوم، ونحن في طور مشهود من أطوار التقدم العلمي والحضارة البشرية، يتكرر أمامنا كل يوم تقريبا مشهد يوسف عليه السلام، قيادياً وإدارياً عبقرياً يخرج بالاقتصاد المصري من الكارثة وهو يتسلح بنفس المبادئ والأصول القيادية التي صرنا نمارسها بعده بآلاف السنين،

والتي أوجزها بقوله لملك مصر: «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» (سورة يوسف ـ الآية 55)، إذ لا تكاد تطل اليوم أزمة اقتصادية أو سياسية برأسها في أي مكان في العالم، إلا وتعمل يد التغيير عملها في قيادات العمل، فحينا حكومة جديدة وحينا تعاد الهيكلة، وأحيانا أخرى دماء جديدة يؤتى بها لابتكار حلول أو أفكار مختلفة عن سابقتها.

إنها إذن مسألة إدارة، فالإدارة الناجحة هي العصا السحرية التي تحقق المستحيل، وبالتبعية تكون الإدارة الفاشلة هي المسؤولة عن إخفاق المؤسسات وربما المجتمعات عن بلوغ غاياتها وتطلعاتها. ورغم أن الإدارة هي منظومة متكاملة من المبادئ والأنشطة والأشخاص، إلا أن السؤال التقليدي يبقى: من هو القيادي أو المدير؟

وأي صفات أو استعدادات قيادية أو إدارية يجب أن يتمتع بها؟ لعلنا من قراءتنا لقصة يوسف عليه السلام في الإدارة، يمكننا أن نتلمس ستة مؤهلات للعمل القيادي والإداري تتضافر فيما بينها بتناغم تام، بحيث إن أي خلل في توظيف هذه المؤهلات وتناغمها وتناسق أدائها على أعلى درجات التركيز والكمال سيؤدي بالضرورة إلى فشل الأداء القيادي والإداري فشلا كاملا أو جزئيا بحسب الأحوال، وهذه المؤهلات تصنفها المراجع العلمية بأكثر من أسلوب، إلا أنني هنا - كما أشرت آنفا - سأقتفي أثر قصة يوسف عليه السلام في ترتيبها بحسب الأولوية:

أولاً: الاستعدادات الشخصية: وهذه تتكون من نوعين من المؤهلات:

1 ـ الموهبة: «وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك..» (سورة يوسف - الآية 6)، وموهبة القيادة غريزة وليست مهارة مكتسبة، وهي نشاط ذهني ونفساني يمارسه القيادي عندما يوضع على المحك في مرحلة أو تجربة حرجة من حياته، يشعر إزاءها بميل لا إرادي مصحوب بثقة مفرطة في النفس لإنجاز مهمة عظيمة، مع استشعار القدرة على حشد طاقات الأفراد وجهودهم وتنظيمها واستثمارها من أجل تلك المهمة،

يساعده عليها حضور شخصيته، وقوة إرادته، وعلو همته، ومهارته في تكوين التصورات الكلية أو الشمولية لنشاط مؤسسته وعلاقاتها بالمنظومة التي تدور في فلكها، ومدى تأثيرها أو تأثرها بالهيكل العام للجهاز الحكومي أو المنظومة الاقتصادية في المجتمع بل وبارتباطها بالعالم كله، ويدخل في ذلك استيعابه للمفاهيم الأساسية التي ينبني عليها نشاط المؤسسة أو الإدارة ووظائفها المحورية.

والقائد الحقيقي لابد أن يتقن عملا أو مهنة بذاتها لأنها تمنحه ثقة إضافية، وإدراكا بأهمية وحجم التفاصيل والجزئيات التي يقوم بها مساعدوه العاملون تحت إمرته. ورغم أن الموهبة هبة، فإنها لا تكتمل إلا بالصقل والتوجيه من خلال التعلم والتدرب والتأهيل النفسي والبدني أيضا (لاحظ في قصة يوسف: عداوة إخوته، وإلقائه في البئر، وبيعه كرقيق، وعمله كخادم، واختبار أمانته في مراودته عن نفسه، وإلقائه في السجن).

2 ـ الخيال: «قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما..» (سورة يوسف - الآية 37). وهو قدرة استيحائية يستخدمها القيادي في قراءة رؤى أو تكوين أحلام استشرافية لمستقبل المؤسسة، أو في صياغة أفكار أو إبداعات أو مبتكرات يرسمها في خياله ثم يحشد لها من الموارد وقودا يحرك المؤسسة أو ربما المجتمع باتجاه تحويل رؤاه وأفكاره وأحلامه إلى حقيقة واقعة.

ثانياً: الاستعدادات المعرفية: وهذه تتكون من نوعين من المؤهلات:

3 ـ العلم: «ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما..» (سورة يوسف - الآية 22). كما أنه لا يصلح إسناد مهمة التطبيب إلى مدير مهما بلغ من المهارة والكفاءة، كذلك فإنه لا يصلح إسناد عمل مدير المستشفى إلى طبيب مهما بلغ من المهارة والكفاءة، فالمسؤوليات والمهام الإدارية والقيادية بجميع أشكالها، تتطلب بدورها إلماما بالأسس والمبادئ والأصول النظرية للقيادة والإدارة، مع رصيد كاف من الخبرة العملية والميدانية، والدراية النفسية والسلوكية لردود أفعال الآخرين، ومعرفة بصياغة الخطط الاستراتيجية وبرامج العمل وتنظيم الجوانب القانونية والإجرائية،

وتنسيق الجهود أو الأداء الإنتاجي وبناء المخزون الاستراتيجي من المعلومات والبيانات، كل ذلك في سبيل تحقيق الأهداف والنتائج المطلوبة بأعلى مستويات الجودة والتميز في الأداء أو الإنتاج، ولعل الكثيرين ممن أسندت إليهم مهام قيادية أو إدارية عليا دون إلمامهم بالأسس والمبادئ والأصول القيادية والإدارية، حاولوا إظهار أنفسهم بمظهر الناجحين والمبدعين في عملهم كقياديين أو كمديرين، فلما فشلوا بسبب قصورهم العلمي والمعرفي ، لجأوا إلى تغطية فشلهم باستخدام أساليب غير علمية مثل «الذكاء» أو «الشطارة» أو «الحيل» فكانت النتائج وخيمة في جميع الأحوال.

4 ـ العقلية المؤسساتية: «وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم..» (سورة يوسف - الآية 62)، لأن القيادي أو المدير الحقيقي يدرك بموهبته وبخبرته أن الإنجازات الكبيرة لا تتحقق بالعمل الفردي بل بالجهد الجماعي، ولهذا ينبغي عليه ممارسة دوره القيادي بعقلية مؤسساتية، وأن يعمل دائما على انتقاء فريق العمل المساعد من الكفاءات العالية التي تتطلبها المهمة،

وأن يبني قاعدة من اللوائح والنظم والسياسات التي تحكم العمل في المؤسسة، ويمارس مهمته متوخيا مصالح المؤسسة وبلوغ غاياتها قبل كل شيء، ويتخذ قراراته وفقا للقنوات والمنهجيات المقررة في المؤسسة، ويبني علاقاته مع زملائه ومرؤوسيه بعيدا عن الجانب الشخصي، وأن ينقل معرفته القيادية والإدارية المتراكمة من خبراته السابقة إلى الأجيال أو الصفوف التالية وتأهيلها لاستلام زمام القيادة.

ثالثا: الاستعدادات الأخلاقية والسلوكية: وهذه تتكون من نوعين من المؤهلات:

5 ـ الأخلاق: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء..» (سورة يوسف - الآية 24). إنها بلا منازع، جوهرة التاج بالنسبة للمؤهلات التي يتمتع بها القيادي أو المدير، وتندرج تحتها باقة تأخذ الألباب من الأخلاق والخصال والشيم الحميدة كالتواضع والنزاهة والورع والأمانة والحلم، وعلى رأس هذه الأخلاق تأتي قوة الوازع الديني عند المدير، فهذا الوازع يمده بطاقات متجددة من الصفاء الذهني، والثقة بالنفس، والطمأنينة الكامنة، والتوازن العاطفي في مواجهة الأزمات، وهذا كله ينعكس بالتالي على التزامه بأداء وظائفه القيادية.

6 ـ الحزم: «معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده..» (سورة يوسف - الآية 79). بقدر ما يجب أن يتحلى المدير بالدبلوماسية مع الآخرين لاسيما المتعاملين معها من خارج المؤسسة، فإنه يجب أن يكون حازما مع المؤتمرين بإمرته، حتى إن مقولة: «الخطأ مع الحزم، أصوب من الصواب مع اللين (الدبلوماسية)» تبدو غاية في الصواب، وإن كان الحزم لا يتنافى مع كون المدير أو القائد ودودا مع موظفيه، مستخدماً للشورى في قراراته، وعلاقاته معهم مبنية على الاحترام والتقدير.

وتكاد كل أدبيات الإدارة تقريبا أن تتناول القيادة على أنها مستوى أو نوع واحد، إلا أن القيادة بطبيعتها في الواقع تتكون من مستويات مختلفة، وكل مستوى منها وإن كان يتقاسم مع سائر المستويات الأخرى نفس المؤهلات والاستعدادات والقابليات بدرجات متفاوتة، إلا أن كل مستوى يحتاج إلى مؤهلات واستعدادات وقابليات مختلفة،

ويمارس مايرتبط بطبيعته أكثر من غيره من المستويات متأثرا في ذلك لابالمستوى القيادي الذي يتواجد فيه الشخص، بل بالاستعدادات الشخصية والمعرفية والسلوكية التي يتمتع بها، ولهذا يحدث نوع من تبادل للأدوار بين تلك المستويات في بعض المؤسسات إذا لم يتقن كل قيادي ممارسة دوره الحقيقي.في هذه المحاولة المتواضعة، سأعمل على تمييز ثلاثة مستويات قيادية لا تكاد حركة الحياة تنتظم بدون تأثيرها الديناميكي الإداري والتوجيهي والتنظيمي، ويكمل كل منها دور المستوى القيادي الذي يعلوه في مسيرة الإنتاج والتطوير والإبداع:

المستوى الأول: ويمثل القيادات العليا في المجتمع، ومن يتقلد المناصب يجب أن يتمتع بمؤهلات خاصة كالقدرة غير الاعتيادية على قراءة المستقبل لحركة العالم من حوله، والمهارة الفائقة في اختيار أفضل المساعدين من المستوى الثاني، والتلاحم مع المجتمع من خلال المشاورة عند اتخاذ القرارات المصيرية، والشفافية في مواجهة القضايا المصيرية والحاسمة.

المستوى الثاني: وهو مستوى القيادة الأوسط الذي يضم الوزراء ورؤساء الدوائر والمؤسسات والهيئات، وهؤلاء يجب أن يتمتعوا بمهارات تكوين الرؤى لمستقبل وزاراتهم أو مؤسساتهم، وبناء التصورات الصحيحة لمكانها بالنسبة لبقية المنظومات التي يتألف منها المجتمع أو الدولة، وإرساء القيم والمبادئ التي عليها يقوم العمل والإنتاج.

المستوى الثالث: ويشمل الوظائف القيادية الدنيا كالمدراء التنفيذيين ومن دونهم من الإداريين، وهؤلاء يجب أن تتوافر لديهم مهارات المعرفة العلمية والأكاديمية بالأصول الإدارية، وامتلاك العقلية المؤسساتية، والقدرة على توليد الأفكار الإبداعية والمبتكرة.

ومن قصة يوسف عليه السلام نجد أنه تقلد دوره القيادي كرئيس للوزراء، وقاد مصر من الكارثة إلى الحضارة (الحضارة المصرية جاءت بعد يوسف) وهو دون الأربعين بقليل، بينما نلاحظ اليوم أن دول العالم النامي - لاسيما في السنوات القليلة جدا الماضية - لم تعط اهتماماً لمسألة النضج المعرفي والعاطفي والسلوكي كمؤهلات لقياداتها، بل يقوم الاختيار على اعتبارات أخرى كالولاء للقيادة السياسية أو الانتماء الحزبي، دون النظر إلى رصيد الشخص من الحكمة والخبرة والدراية،

مع أن دول العالم المتقدم قد أدركت منذ بداية الثورة الصناعية أن الأمور لا يتولاها إلا أصحاب الحكمة والخبرة والدراية والمؤهلات والاستعدادات والقدرات القيادية، وهو السر الذي يجعلها إلى اليوم تتبوأ صدارة التقدم البشري، في الوقت الذي لا تزال دول العالم النامي تتأرجح في مسيرتها بين الفشل والنجاح وتجارب الخطأ والصواب، أو تقتات على فتات التجارب الحياتية التي تلقي بها دول العالم المتقدم بعد أن تكون قد استنفدت أغراضها منها، وما الصناعات الملوثة للبيئة، والهندسة الحيوية، والاقتصاد الترفيهي إلا أمثلة بسيطة على ذلك.

كاتب إماراتي