المحاولات جارية على قدم وساق لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وحل قضية الجندي الأسير. بموازاتها ترفع حكومة أولمرت من نبرة تهديداتها ومن كثافة نيران قواتها ضد القطاع. بوادر حلحلة أطلت برأسها، عبر مخارج وصيغ طرحتها المساعي المصرية والوساطات الدولية. الحلول المتداولة حظيت بمقبولية حتى في الصحافة الإسرائيلية، لا بل داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولو من حيث المبدأ.

لكن حكومة أولمرت تعاملت مع المطروح بصلفها المعهود، الاعتقاد الكاسح يجمع على أنه لا مهرب من صفقة تقوم على مقايضة ما. الرد الإسرائيلي كان بالمزيد من التصعيد والتهديد. بالأمس تهديد لأهالي غزة «بحرمانهم من النوم». بعده جاء تفويض رئيس الحكومة للجيش «باجتياح غزة» وكأن شعاره يقول: جندي واحد أسير، ثمن عدم إطلاقه حرباً على غزة والضفة والمنطقة، لكن المكابرة والغطرسة لن تفضي إلى الغاية المنشودة. وحدها التسوية تنزع فتيل الأزمة. فإذا ما أراد أولمرت عودة أسيره العسكري؛ عليه طرق هذا الباب والمفتاح بيده.

التسليم بمثل هذه الصيغة، تتسع دائرته. والحديث عن خطوطها العريضة متداول، محورها يقوم على إجراء مبادلة أسير بأسرى وبوقف العدوان. التسريبات تفيد أن البحث الآن يدور «حول صفقة يتم بموجبها تسليم الأسير إلى دولة عربية ـ مصر ـ أو أجنبية ـ فرنسا ـ مقابل الحصول على ضمانات مؤكدة لإطلاق أسرى فلسطينيين». لتأكيد حسن النية والالتزام بمثل هذه الضمانات «يمكن أن تبادر إسرائيل بإطلاق أسرى مسنين أمضوا معظم مدة محكوميتهم».

الجانب الفلسطيني متمثلاً بالسلطة والحكومة، يتحرك بجدية في هذا الاتجاه. وهو لذلك كرر الدعوة إلى«عدم المساس بحياة الأسير»؛ تأكيداً على رغبته في التعويل على «الحلول الدبلوماسية لأن في ذلك مصلحة فلسطينية» وهذا ما أكده وزير الإعلام الفلسطيني. أيضاً مصر تتحرك في هذا الاتجاه، وحتى الوزيرة الأميركية رايس أعربت عن « تأييدها لجهود مصر» في هذا الخصوص. وهو موقف مسهّل كان من الأفضل أن تنطق به إدارة الرئيس من البداية، بدلاً من حديثها عن ما سمته «بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها».

ليس هذا فحسب بل أن كبريات الصحف الإسرائيلية نسبت إلى قيادات عسكرية إسرائيلية تأييدها لمخرج تسووي على اعتبار أنه «في نهاية المطاف لن يكون هناك خيار سوى التفاوض كما نسب إلى قائد الجيش الإسرائيلي قوله بأن التعويل على عملية عسكرية لوحدها لن يعيد الجندي». وبذلك يبدو أن القناعة باتت راسخة حول وجوب اعتماد هذا الخيار. وربما يكون البحث قد بدأ يدور حول الإخراج والكفالات.

فعلى الرغم من الحديث عن أن المساعي باتت في طريق مسدود، إلا أن الجاري على الأرض هو بخلاف ذلك. لكن ترجمته ونجاحه مرهونان بموقف حكومة أولمرت. فإذا بقيت على تعنتها وإصرارها على الخيار العسكري وعلى «انتهاك القانون الإنساني» ـ كما اتهمتها سويسرا أمس ـ فإن الأزمة سائرة نحو الأسوأ لأنها هي تريد ذلك، القرار بيدها.