بات العالم مشغولاً بالأسير جلعاد شاليت وكأنه قضية القضايا في المنطقة، فالجميع في المجتمع الدولي يدلي بدلوه ناصحاً أو مهدداً الفلسطينيين بضرورة الإفراج عنه فوراً، إلا أن الغريب أن أحداً لم يتحدث عن أسباب المشكلة وعمّا تفعله قوات الاحتلال الإسرائيلي وحكومة أولمرت من إرهاب دولة، حيث القتل اليومي وتدمير البيوت فوق رؤوس الآمنين وتخريب البنى التحتية.. كل هذا مسألة فيها نظر، بمفهوم المجتمع الدولي المتحضر، أما الجندي الإسرائيلي فمسألة لا تغتفر.
شعب كامل محاصر بالإرهاب، مهدد بالاقتلاع من جذوره، وابتلاع ما تبقى من حقوقه وأرضه، يعيش بين مطرقة الاحتلال وسندان التجويع الجماعي، وهناك عشرة آلاف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية بينهم أطفال ونساء ومنهم مضى على سجنه أكثر من عشرين عاماً.. كل هؤلاء وكل هذا الواقع الفلسطيني المؤلم، لا يلقى بالاً من أحد.. فلماذا أسير إسرائيلي واحد يضج به العالم بأسره؟
حقاً إنها معادلة بعيدة كل البعد عن المنطق الإنساني والقانوني أن يكون مصير شعب كامل مرهوناً بجندي معادٍ أسر في عملية دفاع مشروع عن النفس، ورداً على المجازر الوحشية اليومية التي لم تبق أسرة فلسطينية واحدة دون شهيد أو أكثر أو أسير أو معوق، ومع ذلك لم يطلب الفلسطينيون سوى إطلاق سراح الأسيرات والأطفال دون الثامنة عشرة مقابل جلعاد شاليت، وهذا المطلب رفضته حكومة أولمرت التي أوعزت لقواتها بأن أي فلسطيني دون استثناء سيكون هدفاً للقصف الصاروخي والمدفعي ورصاص عمليات القرصنة التي شملت أيضاً اعتقال ثمانية وزراء و24 عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني.
إن جرائم الاحتلال ليست وليدة حادثة الجندي الأسير، والإرهاب الإسرائيلي المستمر سمة كانت ولا تزال تميز سلوك إسرائيل العدواني، وسياسة إسرائيل التي ليس في تعاليمها الصهيونية حقوق للعرب وحرمة حتى لأطفالهم، لكن المخجل أن يتعامى من يدّعون أنهم قادة العالم الحر الحريصون على الديمقراطية عن هذا الإرهاب الإسرائيلي الصارخ، ويجندون أنفسهم دفاعاً عن إسرائيلي واحد، ويتناسون عن سبق إصرار مأساة شعب كامل، ولا يعيرون أي اهتمام لقضيته العادلة.
لقد صار مصير شعب معلقاً بأسير حرب، ويا لها من مفارقة! أليس هذا مشيناً يا دعاة الحضارة الإنسانية؟