هل يمكن الكلام عن الاندماج الإقليمي والتكامل الإقتصادي في قارة ما زالت تعاني من ويلات الحروب والنزاعات الداخلية في العديد من دولها؟ جمهورية الكونغو الديمقراطية فقدت أكثر من 3 ملايين شخص منذ إندلاع الحرب الأهلية فيها سنة 1998، أكثر من 300 ألف شخص راحوا ضحية النزاع في دارفور منذ 2003، في أوغندا أكثر من مليوني شخص شردوا وأرغموا على العيش في تجمعات للاجئين خلال العشرين سنة الماضية.
في بورندي أكثر من 300 ألف شخص قُتلوا منذ اندلاع الحرب في سنة 1993. كما توجد نزاعات وصراعات بين اريتريا واثيوبيا وبين شمال وجنوب ساحل العاج، وكذلك الحال بالنسبة للمناطق الغنية بالنفط في جنوب نيجيريا وفي جمهورية الكونغو كما أفرزت مشكلة دارفور مشكلات مست تشاد.
قمة أخرى من قمم الاتحاد الإفريقي هذه المرة في العاصمة الغامبية بنجول لدراسة وبحث مشكلات القارة السمراء وإمكانية التجمعات الاقتصادية والاندماج الإقليمي. الاتحاد يواجه تحديات كبيرة جدا تتمثل في النزاعات التي تجتاح الصومال والسودان وقضية الرئيس التشادي السابق حسين حبري.
هل تتمكن القارة السمراء هذه المرة من تحدي الصعاب والمشاكل والعراقيل وتضع الأسس لاتحاد إفريقي على شاكلة الاتحاد الأوروبي بسوق اقتصادية قوية وبرلمان ومحكمة عدل إفريقية ومجلس وزراء وبنك مركزي وصندوق نقد وغيرها من الأجهزة التي من شأنها أن تقضي على التناقضات والثغرات العديدة والمختلفة التي تزخر بها القارة السمراء، تلك القارة التي تنعم بخيرات عديدة وفي نفس الوقت يتفشى فيها الفقر وينتشر فيها الجهل والإيدز والحروب الأهلية والرشوة والجوع.
هل سيستطيع الأفارقة أن يكونوا جهازا قويا وفاعلا لتخطي الصعاب ومواجهة التحديات الجسام التي لا ترحم ولا تشفق على الضعيف والفقير؟ سؤال يحتاج إلى دراسة متأنية ومستفيضة لأن الأمر لا يتعلق هنا بالقمم والمؤتمرات والاجتماعات والتوصيات بقدر ما هو بحاجة إلى جدية في الطرح وموضوعية في الأهداف ومنهجية في العمل.
الأمراض والأوبئة، الفقر، الأمية والحروب، الرشوة والأنظمة الدكتاتورية التي تتوالى وتتنافس على السلطة من أجل المصالح الخاصة والتحالف مع القوى الخارجية تلك هي الخصائص التي تتميز بها القارة السمراء في بداية الألفية الثالثة. في الخمسينات وعندما بدأت رياح الاستقلال تهب بلطف وحنان على القارة السمراء كان الجميع يستبشر خيرا بمستقبل زاهر وناجح للأفارقة خاصة وأن القارة تتمتع بخيرات وثروات هائلة وأن خروج الاستعمار منها سيفسح المجال لمشاريع التنمية والتطور والازدهار.
أربع عقود مرت على استقلال معظم دول القارة ومازالت الأمور على حالها بل ساءت وتعفنت حيث الحروب والصراعات والنزاعات الداخلية، الأمراض والأوبئة والجوع والفقر والأمية والقائمة طويلة.
إذا قرأنا بعض الإحصائيات الخاصة بإفريقيا نجد أن ما يزيد على 20 دولة إفريقية تخوض حروبا ضد بعضها البعض سواء كانت أهلية أو نزاعات داخلية أو بين أكثر من دولة وهنا نلاحظ تورط دول أخرى مجاورة أو صديقة أو عدوة في دعم تلك الدولة أو الوقوف ضدها. هذه الحروب أدت في العقد الأخير إلى مقتل 3 ملايين نسمة وتهجير 28 مليون وتحويلهم إلى لاجئين.
أما بالنسبة للأمراض فالإيدز لوحده يقضي على مليون إفريقي سنويا وهناك حاليا 32 مليون إفريقي مصابون بالفيروس. فالقارة السمراء تزداد أوضاعها سوءا سنة بعد سنة بسبب القيادات الدكتاتورية والعسكرية التي تحكمها والتي تتواطأ مع رأس المال الأجنبي في ابتزاز الثروات الوطنية بأبخس الأثمان، وبسبب الحدود التي خلّفها الاستعمار من ورائه وهي بمثابة قنابل موقوتة.
من جهة أخرى نلاحظ التجارة أو التبادل غير المتكافئ والاستغلال البشع للدول الصناعية للقارة السمراء من خلال نخبة موالية وعميلة للغرب، إضافة إلى الرشوة وسوء التسيير والإدارة العقيمة ومختلف الأمراض والأوبئة وعلى رأسها داء الإيدز.
قمة جامبيا تثير عدة تساؤلات تتعلق ببناء وتفعيل المؤسسات والآليات التي تضمن لهذا الجهاز الجديد النتائج المرجوة والتي تضمن له النجاح في مهامه وأهدافه ومشاريعه. هل حققت الاتحادات السابقة في القارة على المستوى الجهوي أهدافها؟ هل حقق الاتحاد المغاربي أو الاتحادات الأخرى في شرق وغرب القارة الإفريقية الأهداف التي جاءت من أجلها؟ هل الأنظمة السياسية في القارة قائمة على أسس ديمقراطية واحترام حقوق الإنسان؟ هل المجتمع المدني قائم وموجود ويلعب دوره في صناعة القرار؟
ماذا عن المجتمع السياسي والأحزاب السياسية هل هي موجودة وإن وجدت هل من دور لها؟ ماذا عن الاقتصاد وأجهزته وآلياته؟ ماذا عن التبادل التجاري والتكامل الاقتصادي بين دول القارة؟ تساؤلات عديدة تطرح نفسها للتأكد من توفر مستلزمات النجاح للاتحاد الإفريقي الجديد. الأمر إذن لا يتعلق بتوصيات وبيانات بقدر ما يتعلق بموضوعية وواقعية خاصة وأن بعض الدول الإفريقية بدأت تفقد حتى المقومات الأساسية للدولة.
وما الحروب والنزاعات العديدة بين دول القارة، والمديونية التي وصلت إلى 350 مليار دولار وكذلك انتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة مثل الملاريا والإيدز، ناهيك عن التدخلات الأجنبية في شؤون القارة والمصالح المتعارضة والمتضاربة من قبل تجار الماس والمواد الأولية الأخرى تزيد القارة حروبا ونزاعات وتدهورا على مستوى مختلف الأصعدة. سؤال آخر جوهري يطرح نفسه هو هل الدول الإفريقية الـ 53 متفقة ومستعدة للاتحاد الإفريقي وجاهزة لتفعيل آلياته أم هناك اختلافات وتعارض في الرؤى والاستراتيجيات والمصالح وهل أن بعض الدول متحفظة على موضوع الاتحاد الإفريقي؟
قمة غامبيا تنعقد في ظروف صعبة تمر بها القارة السمراء والتحديات التي يواجهها الاتحاد كثيرة ومتشعبة ومن أهمها على سبيل المثال الحروب والنزاعات القائمة في القارة. المشكل الكبير الذي يعاني منه الاتحاد مثله مثل جامعة الدول العربية وعدد كبير من المنظمات القارية والإقليمية هو البعد الاقتصادي الإستراتيجي الذي يمثل حجر الزاوية لأي عمل تنظيمي مؤسساتي وقاري.
التكتلات الناجحة اليوم على المستوى الدولي أو الجهوي أو القاري هي تلك التكتلات التي وضعت الشعارات السياسية الرنّانة في رفوف المتاحف وراحت تركز على البعد الاقتصادي والمؤسساتي، والتكتلات الفاشلة كجامعة الدول العربية ومنظمات أخرى كثيرة ما زالت عاجزة على إقامة تعاون اقتصادي متين يدعم العلاقات والروابط الاقتصادية بين الدول الأعضاء قبل العلاقات السياسية.
وتعاني معظم الدول الإفريقية من انعدام الشرعية السياسية كما تعاني كذلك من انعدام وجود مجتمع مدني ومشاركة سياسية واسعة، والنتيجة في نهاية المطاف هي انعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وغياب القرار السياسي الرشيد والناجح. وهذا ينعكس بالسلب على الأداء العام في المجتمع. فالقارة السمراء تشتهر على المستوى العالمي بانقلاباتها العسكرية وبذلك بعدم استقرار أنظمة الحكم فيها، كما تشتهر كذلك بالرشوة وبضعف الإدارة والتخطيط الاستراتيجي.
فانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم وانعدام هيبة الدولة وانعدام المجتمع المدني وكذلك الثقافة المؤسساتية كل هذه الأمور تؤدي إلى انعدام الرشادة وانعدام الأداء المسؤول والفعال والمستمر والمتطور. فالقارة السمراء تعتبر من أغنى القارات في العالم ومن أفقرها في نفس الوقت.
لا يمكن لأي دولة أن تفكر في الرشادة الاقتصادية والأداء الاقتصادي الجيد في غياب الشرعية السياسية والمجتمع المدني والمشاركة السياسية؛ القارة السمراء بعد موجة الاستقلال وبعد نصف قرن من الزمن لم تستطع أن توّفر لنفسها مستلزمات الانطلاقة الاقتصادية السليمة ووجدت نفسها تدور في حلقة مفرغة وتعيش في دوامة التبعية الاقتصادية والتفكك الاجتماعي والانجراف الثقافي، إلى غير ذلك من المشكلات التي لا تنتهي، والتي تفرز يوما بعد يوم مشاكل أخرى.
إن التحدي الكبير الذي يواجه الاتحاد الإفريقي اليوم هو العامل الاقتصادي، وما يهم رجل الشارع الإفريقي بالدرجة الأولى هو توفير لقمة العيش اليومية. فالوحدة الحقيقية تقوم على أسس ثقافية، اجتماعية، سياسية واقتصادية ولا تعتمد على الشعارات الجوفاء والتوصيات والقرارات التي لا تخرج في غالب الأحيان من قاعات الاجتماعات.
القارة الإفريقية اليوم تعاني من مشكلات لا تحصى ولا تعد: البطالة، الجهل، الأمية، حقوق الإنسان، استغلال الأطفال، الأمراض والأوبئة، التلوث، انعدام الديمقراطية، انعدام حرية الرأي والتعبير والصحافة، الفقر، انعدام المجتمع المدني، انعدام المشاركة السياسية، انعدام الأمن والاستقرار والقائمة قد تطول. الاتحاد الإفريقي بحاجة إلى انطلاقة جديدة تعتمد على الواقعية والفاعلية والتأقلم مع معطيات النظام الدولي الجديد وتحديات القرن الحادي والعشرين.
التحدي كبير والمسؤولية أكبر، فهل حان الوقت لمراجعة الذات والتعلم من الأخطاء وتصحيحها وإيجاد موقع للقارة السمراء في خريطة العالم المعولمة؟ الأمر يتعلق بتحرير الفرد الإفريقي وتكريس الديمقراطية في أرض الواقع والاستغلال الرشيد للخيرات والثروات والإمكانيات التي تزخر بها القارة السمراء.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة