استكمالاً للموضوع السابق عن كرة القدم، وعن الاتحاد الدولي ورئيسه، وكيف ولماذا توقعت أن يجعل منه أكبر شركة استثمارية في هذا المجال تمتلك المليارات، ومن خلالها تتحكم بهذه اللعبة كيفما تشاء.

إن أية شركة أو مؤسسة لابد وأن تضع معايير وتمتلك أدوات لإدارتها، من مستوى أداء ومنتجات عالية الجودة ومستهلكين ومتعاملين لإنجاحها. والشركة الناجحة تتكون من رأسمال + أدوات + جودة، ثم يأتي المنتفعون والمستهلكون ليساعدوا على نشرها في العالم، ولا شك أن الاتحاد الدولي لكرة القدم قد وصل إلى هذه المرحلة، فهو يدير شركة ذاع صيتها في العالم.

كما أنه بالمفهوم التجاري يتاجر في بضاعة اجتمع الجميع على حبها دون الحاجة إلى دعاية أو إعلان. والاستغلال الذكي لأدواتها، أي للاعبين جعلت من هذه البضاعة، أي كرة القدم، تتربع على عرش الرياضات والفنون في عصرنا الحالي.

فاللاعب الذكي عدا عن مهارته وموهبته يستعمل عقله لتحريك الكرة بقدمه ليبهر المشاهد ويمتعه وهذه قمة الفن والإبداع، لذا فكرة القدم هي المجال الوحيد الذي يرضي جميع الأذواق، ويتابع أخبارها الكبار والصغار بشغف، حتى السياسة رغم أهميتها لا يمكنها مجاراة أو منافسة كرة القدم في هذا العصر، والناس في سخطهم على الأخبار السياسية التي لا تتغير إلا إلى الأسوأ صاروا يتابعونها صدفة أو من باب العلم بالشيء ليس إلا!

والسياسي المحترف مهما اجتهد وعمل من أجل تحقيق آمال من صوتوا له، فوعوده لهم غالباً ما يطالها النسيان أو تبقى قائمة مع إيقاف التنفيذ.

وعندما يصل إلى المنصب لا يحقق شهرة وثروة لاعب كرة القدم المحترف. ففي فرنسا مثلاً يتجاوز راتب اللاعب الفرنسي زين الدين زيدان السنوي 5,6 ملايين يورو، ويصل راتب مواطنه تيري هنري السنوي إلى 10 ملايين يورو، بينما لا يتعدى راتب رئيس وزراء فرنسا 216 ألف يورو سنوياً.

ولا يختلف الوضع في ألمانيا حيث يحصل المهاجم الألماني وأغلى لاعب في العالم حالياً مايكل بالاك على 5. 12 مليون يورو سنوياً في حين يحصل المستشار الألماني على 240 ألف يورو سنوياً، وفي اسبانيا يتسلم كابتن ريال مدريد والمنتخب الإسباني راؤول جنزاليس سنوياً 5. 6 ملايين يورو.

بينما لا يتعدى راتب رئيس وزراء إسبانيا السنوي 85 ألف يورو، وفي إيطاليا يحصل فرنشيسكو توتي سنوياً على 10 ملايين يورو وراتب رئيس وزراء إيطاليا السنوي 144 ألف يورو فقط، وفي بريطانيا يحصل نجم المنتخب الإنجليزي ديفيد بيكهام على 5. 6 ملايين يورو سنوياً في حين يصل راتب رئيس وزراء بريطانيا السنوي إلى 320 ألف جنيه.

هذا بالنسبة للاعبين الأوروبيين الذين انتشرت واشتهرت هذه اللعبة في بلادهم، لكن وضع اللاعبين في إفريقيا مثلاً لا يختلف كثيراً عنهم رغم اختلاف الأوضاع الاقتصادية والسياسية، فاللاعب الكاميروني ايتو المحترف في نادي برشلونة الاسباني يحصل سنوياً على 8. 2 مليون يورو.

ويعتبر أغلى لاعب في إفريقيا في حين يصل راتب اللاعب الغاني مايكل آسيان المحترف في نادي تشلسي الإنجليزي إلى 5. 2 مليون يورو سنوياً حيث انتقل إليه من نادي ليون الفرنسي مقابل 48 مليون يورو وهذا المبلغ يعادل ميزانية بعض الدول الإفريقية أو قد يقضي على مشاكل المجاعة فيها.

ويتراوح دخل باقي اللاعبين المحترفين في أندية الدرجة الأولى الأوروبية بين 250 ألفا و220 ألف يورو سنوياً، لكنهم ليسوا أقل شأنا من رئيس الولايات المتحدة الأميركية الذي لا يتعدى راتبه السنوي 300 ألف دولار ولو عاد به الزمن إلى الوراء لكان اختار احتراف كرة القدم بدل السياسة.

وربما قد فلح فيها! وجنب العالم شر قرارات سياسية زادت الناقمين عليه اليوم، وقد تضاعف الساخطين عليه بعد تركه، بينما هذا ليس حال محترفي كرة القدم الذين يزيد حب الجماهير لهم بعد اعتزالهم.

فمارادونا مثلاً رغم أخطائه ومن أشهرها الهدف الذي سجله بيده في مرمى إنجلترا في نهائيات كأس العالم عام 1986، إلا أن عشاقه زادوا بعد اعتزاله اللعب وغفروا له أخطاءه وما زالوا يتابعون أخباره ويتعاطفون مع أحزانه، ولا يذكرون سوى أنه اللاعب الموهوب، واللاعب الأسطورة.

تلك هي المفارقات العجيبة التي خلقتها هذه اللعبة المجنونة، والأرقام المذكورة تؤكد أن كرة القدم تحولت من مجرد اللعبة، إلى نشاط اقتصادي مؤثر وتجارة مربحة في أوروبا بشكل خاص، ولا نستبعد أن تطرح أسهمها للتداول في السوق العالمية قريباً.

لكن هذه الشهرة والشعبية لم تتحقق بين ليلة وضحاها، بل إن عمر هذه اللعبة بشكلها الحالي يعود إلى 300 سنة، وتم تنظيمها وممارستها في أندية أوروبية قبل ذلك.

ويعتبر نادي شيفلد الإنجليزي أقدم ناد في العالم حيث تأسس عام 1857، ولم تمارس بهذا الشكل في الدول العربية والإفريقية والآسيوية إلا قبل حوالي 60 سنة. وتعتبر مصر من أقدم الدول العربية التي بدأت بممارستها.

أما الاتحاد الدولي لكرة القدم فقد تأسس عام 1904 باتفاق بين سبع دول أوروبية، في حين تم إنشاء الاتحاد الآسيوي عام 1954، لذا فمن حق الأوروبيين أن يتفاخروا اليوم بعد أن أصبح الاتحاد يضم تحت لوائه 204 أعضاء، وما زالت الدول الأوروبية هي المنافس الأكبر في النهائيات كل دورة، وقد عملت دول أميركا اللاتينية جاهدة لتصل إلى المستوى الذي وصلت إليه.

ومن قال إن العرب لم يحققوا شيئاً إلى الآن وغير متواجدين في المونديال؟! فهم مشاركون أساسيون ولا يمكن للفرق المنافسة التحرك دونهم! فلقد اختارت الشركة المكلفة بصنع كرات القدم الخاصة بنهائيات كأس العالم، الصناع المغاربة لتركيب هذه الكرات في إحدى فروعها في مدينة فاس المغربية.

ولنا أن نفخر نحن العرب بوصولها إلى هذه المرحلة، بالتواجد بشكل أوبآخر داخل المستطيل الأخضر بعد أكثر من 70 سنة من عمر نهائيات كأس العالم، فإذا استمررنا بهذه الإستراتيجية لنا أن نحلم بالمنافسة باللعب داخل المستطيل بعد قرن!

كاتب إماراتي

sultan654@hotmail.com