وسط مشهد الموت والدمار، الذي تزرعه إسرائيل في غزة؛ لمعت لقطة عابرة، لكنها غنية بالتعبير: الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بصحبة رئيس الحكومة إسماعيل هنية؛ في جولة تفقدية لبقايا مكتب الأخير بعد أن قصفته الطائرات الإسرائيلية.

الصورة ليست جديدة، سبق والتقى الرئيسان أكثر من مرة وبأكثر من مناسبة. الجديد والأهمية، في اللحظة التي جمعتهما: بخلفيتها ومجرياتها، كما بمستقبل العلاقة الواعدة بينهما وبالتالي بما توحي به من حتمية وطنية لا خيار للفلسطينيين سواها، ولا خلاص لهم ولقضيتهم إلا بها وفيها.

فليس صدفة ولا من دون رمزية أن تأتي هذه اللقطة وسط هجمة شرسة تستهدف كل الفلسطينيين؛ وأن تأتي أيضاً بعد التوصل إلى اتفاق وطني واسع بين فصائلهم. وكأنها تقول إن الجميع في مركب واحد؛ كانوا ومازالوا؛ وقدرهم أن يبقوا معاً على متنه، إذا ما أرادوا بلوغ شاطئ الحرية والأمان.

العدوان الإسرائيلي، الجارية فصوله الآن، على الشعب الفلسطيني؛ حرب مفتوحة على المزيد من التصعيد والتدمير، هي أبعد بكثير من مجرد رد فعل على وقوع جندي في الأسر. لو كان الأمر عملية انتقام أو ضغط يرمي في النهاية إلى استرداد الجندي فقط؛ لكان من الطبيعي أن ترافقه محاولات ومساومات تحقق الغاية المنشودة.

أما الزعم بأن إسرائيل لا تقبل بأية مقايضة ولا بإجراء أية صفقة مع حماس؛ لاسترجاع أسيرها فهو كلام لا يستقيم مع السوابق على الأقل. فهي سبق لها أن أجرت صفقات مع «حزب الله» في لبنان لاسترجاع أسراها.

إقفال باب البحث بفكرة المبادلة ـ لا سيما وأن الأسير جندي وليس مدنياً ـ له مدلول واحد: وهو أن تل أبيب تريد أن تتعامل مع هذه القضية كجسر عبور وذريعة لإطلاق يد آلتها العسكرية؛ كي تمضي في انفلاتها إلى الحد الكفيل بتخريب أية فرصة للعودة إلى طاولة المفاوضات ،خاصة وأن اتفاق الوثيقة بين القوى الفلسطينية وضع الجانب الفلسطيني على الطريق المؤدي بالنهاية إلى إحياء التفاوض المؤدي إلى إقامة الدولة.

استكمال حلقات مشروع الفصل الأحادي الذي التزم به «كاديما» وفاز في الانتخابات على أساسه، يتطلب نسف أية إمكانية للحوار مع الفلسطينيين. والحصار المضروب الآن على غزة لم يحصل غداة وقوع أحد جنودها في الأسر ـ وخلال عملية عسكرية ـ. هو بدأ قبل ذلك بكثير. أخذ صيغة حرب الاغتيالات والمطاردات اليومية.

الفارق أن حملة اليوم تجري بكثافة أعلى وقوة نارية أكبر، تحت ستار أنها تقوم بذلك لتحرير أسيرها! وتشير كافة التقارير والتوقعات ومنها الإسرائيلية، الإعلامية والعسكرية، بأن الحملة سائرة باتجاه التعنيف؛ على قاعدة التشبث والمعاندة لناحية رفض أي حلول غير عسكرية أو استسلامية، لموضوع الأسير.

إسرائيل لا يبدو أنها في وارد التراجع عن شروطها التعجيزية، ومعاندتها ليست مسألة معنويات، في نهاية المطاف. فإصرارها على وضع «العقدة في المنشار» يعكس عزمها على ضرب عصفورين بحجر واحد: تخريب أية عودة إلى التفاوض والمضي بالفصل الأحادي. ثانياً محاولة إسقاط «اتفاق الوثيقة» بين القوى الفلسطينية.

إذا كان ذلك هو المراد فالرد الفلسطيني يصبح واضحاً أكثر وأكثر: المضي قدماً في تثبيت وترجمة الاتفاق وبأسرع ما يمكن بذلك يجري توظيف الهجمة لتحقيق الانجاز الوطني الذي طال انتظاره؛ عملاً بمقولة «رب ضارة نافعة».