مع اننا جميعاً لا نختلف على أن الحقيقة واحدة، وأن الخير معروف والشر مكشوف إلا أننا أصبحنا في زمن تختلف فيه رؤية كل منا لهذه الحقيقة، فبدا الأمر وكأن للحقيقة الواحدة ألف وجه!!
ولأننا في زمن أصبح للحقيقة الواحدة أكثر من وجه، نرى الغرب عموما بأكثر من وجه، ونرى أميركا «داعية الخير» ضد «محاور الشر»، من بين وجوه متعددة بوجهين رئيسيين.
وجه عدواني، ووجه إنساني، وجه تحرري، ووجه استعماري.. وجه يؤمن بمبادئ «الرئيس ويلسون» المواجهة للاستعمار البريطاني والفرنسي والمنادية باستقلال الشعوب وحقها في تقرير المصير، ووجه يؤمن «بمبدأ بوش» وبالهيمنة الإمبراطورية، واحتلال أراضي الشعوب، ومساندة المعتدين الظالمين الصهاينة في فلسطين.
ولأننا لسنا أعداء للشعب الأميركي، ولا حتى لما يسمى «القيم الأميركية» التي تتمثل بالحرية، وتعلي من قيمة حقوق الإنسان، وتحترم القانون وتثبت العدالة، وتحتكم إلى الديمقراطية، فلقد كنا نحترم وجهها المتقدم المضيء وتتطلع إليها الشعوب باعتبارها قوة عالمية من أجل العدالة والحرية والسلام..
لكن هذه الشعوب وجدت نفسها بسبب مواقف وممارسات الإدارة الأميركية الحالية الضيقة الأفق والقصيرة النظر، أعداء للوجه الاستعماري والعنصري اللا إنسانى القبيح الذي يظهر منها، ولشهود الزور على قيمتها العالمية وقيمها الديمقراطية، الذين يرسمون الآن سياستها ويعبرون عنها في الخطابات الرسمية وفى المؤتمرات الصحافية وعلى المنابر الدولية.
وكنا نتمنى أن تنتصر في داخل أميركا قوى الخير من العقلاء والحكماء والشرفاء الذين يزخر بالكثيرين منهم الشعب الأميركي ومن بينهم الرئيس «كارتر»، والذين يمثلون شهود الصدق على الحضارة الأميركية والقيم المسيحية حينما يدينون السياسات الخاطئة التي تشوه صورة أميركا.
هؤلاء الذين رأيناهم في الصحف المستقلة، وفى الإعلام الأميركي الحر، يفضحون المستور من جرائم وفظائع ارتكبتها قوات الاحتلال في «أبو غريب» وفى «جوانتانامو»، وفى إدانتهم للسجون السرية للمخابرات الأميركية في أوروبا وبعض الدول العربية، منددين بها باعتبارها أعمالا لا إنسانية مشينة تلحق العار بالولايات المتحدة الأميركية.
وهم أيضا الذين رأيناهم يخرجون في المظاهرات الألفية ضد قرار الحرب، وضد عمليات التعذيب الوحشية وجرائم الحرب في العراق، وبكاءً على آلاف الجنود الأميركان الذين أرسلهم الرئيس «بوش» ووزير حربه «رامسفيلد» ليقتلوا في أرض تبعد آلاف الأميال عن وطنهم، بكلفة مئات المليارات من الدولارات الضائعة في حرب غير مشروعة ولا عادلة.
كنا كشعوب تتطلع إلى نيل حقوقها في الحرية والعدالة والتنمية والسلام، نتمنى لأميركا أن يتغلب دورها التحرري على وجهها الاستعماري، ووجهها الإنساني على وجهها اللا إنساني، لكن الإدارة الأميركية التى أساءت لشعبها أمام الشعوب، والتي انقلبت على قيمها وزيفت شعاراتها، وأثارت العزلة والكراهية لسياساتها أبت إلا أن تخذل الجميع.
لم تخذل الجميع من الشرفاء داخل أميركا ومن الطيبين في العالم بسياساتها التسلطية غير البعيدة النظر فقط، ولكنها خذلت نفسها قبل أن تخذل شعبها وشعوب عالمها أيضا، حينما صدرت لنقل صوتها وصورتها في العالم نماذج من الشخصيات المرفوضة داخل أميركا ذاتها قبل أن يرفضها العالم.
واحد من هذه النماذج، هو «جون بولتون» المندوب الأميركي في مجلس الأمن وأحد عتاة السياسة المتصهينة والمتعصبة ضد كل ما هو عربي وإسلامي، والذي بسيئ استخدام حق الفيتو بلا حق دفاعا عن الظالمين مرتكبي الجرائم العدوانية الإسرائيلية حماية لهم من الإدانة الدولية..
والذي يمارس الضغوط بغطرسة كريهة، ويروج الاتهامات المثيرة للسخرية بلا منطق، ضد المظلومين في العالم من ضحايا السياسات الأميركية والصهيونية، والذى أصر الرئيس الأميركي على تعيينه في هذا المنصب الحساس رغم رفض الرافضين.
وقد رأيناه في الجلسة الطارئة لمجلس الأمن الدولي بعد العدوان الإسرائيلي على «غزة»، وهويبرر - بلاحياء- جرائم إسرائيل العدوانية على الشعب الفلسطيني.
ويحاول باسطوانته المشروخة تحويل أنظار العالم بعيدا عن إسرائيل بمحاولة توجيه اتهامات زائفة ضد سوريا، لم تعد تقنع طفلا بعد انكشاف الكذب الأميركي، وتهديدات لم تعد تخيف دجاجة بعد انكشاف التخبط الأميركي، في موقف شاذ ومعزول أثار استياء غالبية الوفود وجلب الرثاء على هذا السقوط الأخلاقي.
mamdoh77t@hotmail.com