التجارب العربية المعاصرة على امتداد قرن من الزمان، تثبت بجلاء إخفاق العرب في مجالين من أهم المجالات التي تقدمت فيها بقية الشعوب والمجتمعات وحققت فيهما النجاح وكان فيهما سر التطور والتقدم، وأقصد بالمجالين: مجال التكيف مع متطلبات الحضارة المعاصرة ومجال ممارسة الديمقراطية.

في المجال الأول: كان موقف العرب الغالب ولا يزال عند شرائح كثيرة من المجتمع العربي ومن التيارات الإسلامية، السياسية والتقليدية، هو أن الحضارة المعاصرة إنما تمثل عصياناً وتمرداً على أوامر الله للبشر.

ولذلك حرص المجتمع العربي على تحصين أبنائه وبناته عبر مناهج دراسية ومنابر دينية وإعلامية ضد مغريات الحضارة وفتنتها وفسوقها بالتركيز على أن المجتمع العربي مستهدف من قبل الحضارة الحديثة بالغزو الثقافي الماكر الذي يهدف لمحو الشخصية العربية المسلمة وإفسادها حتى تنسلخ عن دينها وقوميتها وعروبتها وتصبح تابعة ذليلة يسهل السيطرة عليها وقيادتها واستغلالها بما يتفق ومصالح الحضارة الغربية.

أما في المجال الثاني الذي أخفق فيه العرب ونجح غيرهم فهو مجال الممارسة الديمقراطية، إذ رغم الخبرة العربية الطويلة بالتجارب الديمقراطية إلا أنها مازالت متعثرة وعندنا نموذجان بارزان يمثلان تلك الخبرة المبكرة.

النموذج الأول: التجربة الديمقراطية في مصر والتي ترجع بداياتها إلى أوائل القرن الماضي وهي أقدم ديمقراطية عربية.

والنموذج الثاني: التجربة الديمقراطية في الكويت وهي أقدم ديمقراطية خليجية إذ ترجع إلى 40 سنة، فماذا كانت المحصلة النهائية للتجربتين؟!

التجربة المصرية أفرزت أوضاعاً خانقة في كل المجالات التنموية: السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والإدارية والاجتماعية.

أما التجربة الكويتية فقد أنتجت أوضاعاً متأزمة وملفات شائكة وأحوالاً قلقة ومتوترة وكل ذلك انعكس سلباً على عملية التنمية الشاملة وعرقل الجهود المبذولة لتحديث الكويت وجعله مركزاً مالياً وسياحياً واستثمارياً متقدماً مقارنة بمركز «دبي» العالمي.

لقد وصل الانحراف في الممارسة الديمقراطية من ناحية وشيوع الفساد في الأجهزة الإدارية العامة والخاصة من ناحية أخرى إلى حالة التأزم التي اضطر فيها أمير الكويت إلى حل المجلس لإجراء انتخابات عامة تفرز مجلساً جديداً.

الآن انتهت المعركة الانتخابية التي امتدت شهراً لم يدخر المرشحون فيه وسعاً في قذف الحكومة بكل نقيصة وأقبل الكويتيون على صناديق الاقتراع رجالاً ونساء، وقدرت نسبة المشاركة بـ 65% رغم حرارة الجو فماذا كانت النتيجة؟ لقد عادت أغلبية كتلة الـ 29 نائباً التي وقفت ضد الحكومة السابقة مصممة على تغيير الدوائر الانتخابية من 25 دائرة إلى 5 دوائر.

لقد فاز 21 نائباً منهم، كما فاز آخرون يرون نفس رأيهم، ليصبح عددهم 36 نائبا، يعتقدون أن الإصلاح الديمقراطي يبدأ ببوابة تقليص الدوائر إلى 5 دوائر، ولهم مطالب أخرى منها: إبعاد من سموهم «وزراء التأزيم» من تشكيلة الحكومة المقبلة، وتفعيل مناقشة قضايا وملفات الفساد، والوقوف بوجه مشروع تطوير حقول الشمال، وتغيير رئاسة المجلس.

كل المؤشرات الانتخابية تدل على أن المعارضة عادت بقوة واكتسحت معظم مقاعد البرلمان الجديد «أمة 2006» وهذه العودة القوية يعزوها المراقبون إلى عنصرين هما: الأول: الدور النشط والفعال للشباب سواء بكثافة المشاركة أو دعم المرشحين في الحملات الانتخابية بالوسائل الحديثة.

والثاني: كثافة العنصر النسائي المشارك والداعم للمعارضة «كتلة الإصلاحيين والتيار الإسلامي».

ومن المفارقات اللافتة في هذه الانتخابات: أن الحكومة الكويتية التي وقفت مع المرأة وحققت حلمها بالمشاركة السياسية ضد المجلس النيابي المعارض لحقوق المرأة، خذلتها المرأة في أول مشاركة انتخابية وساندت خصوم الحكومة وخصومها الذين طالما عارضوا حقوقها وانتقصوا من أهليتها وبخاصة التيار الإسلامي!!

والمفارقة الأخرى أن النائب السابق «عواد برد» الذي ساند حقوق المرأة ودافع عنها ودفع ثمناً غالياً من سمعته وتعرض لانتقاد زملائه الإسلاميين، لم يحالفه الحظ وأصبح ضحية المرأة، بينما نجح زملاؤه الإسلاميون الذين خاصموا المرأة وبفضل المرأة نفسها!

التساؤلات المطروحة الآن: هل هذه العودة القوية للمعارضة تحسب لمصلحة الديمقراطية؟ وهل تصب في تحقيق أهداف التنمية الشاملة؟ وهل تساعد على تنفيذ الخطط والمشاريع الهادفة لتحديث الكويت وتحويله إلى مركز مالي واستثماري وسياحي متقدم؟

لاشك أن الانتخابات أفرزت وضعاً غير مريح وغير منسجم أمام الحكومة القادمة، إذ تجد نفسها أمام خيارات عسيرة وحسابات معقدة في معالجتها لمعظم الملفات العالقة.

والأخطر ان الحكومة فقدت بعض النواب الموالين لها، وفي ظل قوة المعارضة وعدم وجود أغلبية موالية فإنها ستواجه صعوبة في تمرير كثير من المشروعات الحيوية المهمة مثل قانون الضرائب والخصخصة وغيرها من المشاريع الاقتصادية وهي هنا أمام أمرين: إما صرف النظر عن تلك المشاريع أو الدخول في مساومات مع كتلة المعارضة بهدف تفكيكها وتمرير مشروعاتها، وفي كلتا الحالتين الكلفة باهظة وستكون على حساب المصلحة العامة.

ومن جانب آخر لن يستطيع مجلس 2006 تحويل الطموحات والآمال الى واقع في ظل رفض الحكومة أو تلكؤها في التنفيذ. فالوضع القادم ينذر باستمرار المواجهة والتصعيد ومزيد من التأزيم، إلا أن يتدارك الحكماء من الجانبين للتهدئة ونزع فتيل التوتر عبر حلول سياسية توافقية.

ومهما يكن فإني أتوقع أن حكمة الأمير من جانب وحنكة رجالات الكويت من جانب آخر كفيلتان بتجاوز عوامل التأزيم للوصول إلى حل يرتقي بالعمل السياسي وبما يحقق مصالح الكويت العليا.

كاتب قطري