الأزمات السياسية تواجه - في الغالب- في البلاد العربية بتعديل بعض نصوص الدستور هروباً من مواجهة الأزمة، في الكويت تواجه الأزمة بانتخابات جديدة، وقد ضج كتاب كثيرون حول شفافية الانتخابات في فلسطين منذ أشهر.
ولكن بعضهم لم يشاهد أحداث الخميس الماضي في الكويت، حيث تحول ذلك اليوم إلى شبه عيد لم يشبه ما يصاحب الانتخابات في العالم الثالث من اضطراب، وانتهى بإعلان نتائج اخطر انتخابات في الكويت في بداية القرن الواحد والعشرين، إن أحسن توظيف نتائجها،المعركة الانتخابية وراءنا الآن ولكن ماذا عن المستقبل، وهو يتطلب الكثير من الجهد والكثير أيضا من التضحية.
العلاقة بين الهيئة التشريعية و الإدارة التنفيذية في الكويت علاقة ليست «صحية» ومنذ زمن طويل وأقعدت العمل الوطني عن الفعل الايجابي، ويرى بعض المراقبين أنها لن تصحح في ظل أجواء التصعيد وروح الانتقام والتهميش المتبادل، بعض هذا حقيقي ولكنه الأقل في النسبة وبعض منه متخيل. وتقع مسؤولية تفكيكه، وخاصة الحقيقي منه على الطرفين، الحكومة والمجلس.
الحكومة من طرفها قصرت أن تأتي ببرنامج واضح ومحدد ومتكامل لخدمة الناس ، كل الناس، وقد كانت في السابق ولعدد من العوامل عاجزة أو غير راغبة في ذلك، والمجلس قصر أن يتفرغ حقيقة للتشريع ، بل وأجهد نفسه (كأشخاص) في آلية ليس مفترضا أن يقوم بها، وهي متابعة معاملات «شخصية» أو نيابة عن الناخبين.
في هذه المعادلة (التعنت والتدخل ) يكمن الكثير من «الفساد» الذي تحدث عنه كثيرون إبان الحملة الانتخابية، إذا كان «الفساد» في معظمه استخدام سلطة لتحقيق مصلحة لشخص مباشرة أو مداورة، فانه فساد يتطلب طرفين «فاسد ومفسد» وأساسه تعطيل القوانين أو تطبيقها بمزاجية وهو مثل كرة الثلج يكبر كلما تدحرج على الأرض .
ويرى البعض أن هناك أمورا عاجلة على المجلس الجديد أن ينظر فيها، ولعل أولها تخفيف المخاوف على الديمقراطية الكويتية من أن تتلاشى فعالياتها من خلال استهلاك قواها الداخلية، فقد تبين أن هذا الزخم الكبير في الحشد من خلال حملة انتخابية سريعة ومكثفة لم تستطع أن تحشد سوى 65% من أصوات الرجال و35% من أصوات النساء ، وبنسبة تراجع واضحة في إقبال الرجال مقارنة بكل الانتخابات السابقة ، ونسبة متواضعة كثيرا في إقبال النساء، كان يظن أنها ستكون اكبر وأوسع.
مما تمت بالفعل . ربما كانت هناك أسباب كثيرة في قلة الإقبال على التصويت، قد يكون منها قصر زمن الحملة الانتخابية وفجائيتها في التوقيت، وقد يكون التوقيت الصيفي الحارق معطل لإقبال البعض.
حقيقة الأمر أن إدماج المرأة قد تم شكلا ولم يتم فعليا، وهو أمر يحتاج المدافعون عن تعميق الديمقراطية أن يستخلصوا الدروس منه، ولعل هذا القصور في التمكين نابع أساسا من قصور في التثقيف، وربما في القيم الاجتماعية التي لم ترسخ من خلال وسائل الإعلام أو التعليم.
وهو أمر لا يخص السلطة التنفيذية وحدها، بل ويخص أيضا السلطة التشريعية، التي وقع أعضاؤها بانتماءاتهم المختلفة، تحت وهم «وعى المرأة» بحقوقها فتوجهوا إليها من خلال حملاتهم الانتخابية.
على أساس أنها جاهزة للانخراط كشقيقها الرجل في العملية الانتخابية المعقدة، خصوصية الأمر للسلطة التشريعية كون المرأة (والرجل) مرجعية العمل الديمقراطي من الآن وصاعدا، وتهميشها هو تهميش للعملية الديمقراطية وشلل لها.
ولعل ما يجب أن يلفت نظر السلطتين في هذه الانتخابات العاجلة والخاطفة دور الشباب من جهة ودور وسائل الاتصال الحديثة التي استخدمها الشباب من جهة أخرى، وكليهما معا شكلا ثنائيا غير مسبوق.
فقد انخرط الشباب، منذ اندلاع الأزمة، وأثناء الحملة الانتخابية بنشاط حيوي ملحوظ، وكان سلاحهم الأساسي هو الوسائل الحديثة، مواقع الانترنت والبلوجز وأيضا رسائل قصيرة على التلفونات النقالة، وكانت وسيلة للحشد والتثقيف معا.
كما أن كثيرا من المرشحين التجأوا إلى الشباب ليس من اجل الاستعانة بهم في الدعوة والحشد والمعاونة، ولكن أيضا قدًموهم على منصات الخطابة الجماهيرية، ليس ذلك فقط ولكن بعض الشباب نظم لقاءات مستقلة مع عدد من المرشحين.
وكانت تعليقاتهم في تلك اللقاءات تنم عن إدراك عال بما يدور حولهم، وهو يعني من جملة ما يعني أن عنصر الشباب يتطلع لتحقيق إصلاحات اكبر في الحياة العامة، هو هذه المرة قد انخرط في متابعة وتأييد «مطالب» وطنية «نبيها خمس» أو «ضد الفساد» إلا أن الأدوات السياسية التي تعرف عليها هؤلاء الشباب، في حالة إهمالهم وتهميشهم من أي من السلطتين، قد تقودهم إلى استعمالها ضد احدى السلطتين. وربما يكون هذا الاستخدام ضد من وعدوهم بالقمر وتبين انه كسوف!
يبدأ نشاط المجلس القادم على خلفية معركة سياسية صلبها «إصلاح قانون الانتخاب» كمقدمة لإصلاح النظام السياسي ككل، من اجل مشاركة أوسع، وشفافية اكبر. أي إصلاح البنية السياسية كمقدمة لتحقيق مستوى أعلى من المعيشة والنهوض بعوامل التقدم.
قد يكون مبررا أن تتلخص القضايا في «معركة انتخابية جماهيرية» في بعض الشعارات التي تعلق بذهن الإنسان، أما غير المبرر فهو إهمال التنمية ببعدها الشامل والحضاري، والدخول في معارك ثانوية قصيرة الأجل تشغل الناس.
إذا كان هناك اليوم إجماع لدى معظم الناس أن الديمقراطية هي الوسيلة المفضلة للتنمية السياسية، بدليل حرص الجميع عليها، فان العالم قد اجمع أيضا على أن احترام القانون ورفع شأنه على أن يطبق من خلال مؤسسة (قضائية) مستقلة وعلى الجميع بالتساوي هو الوسيلة الأفضل للعدالة المرجوة.
وأن دعم الاقتصاد الحر «اقتصاد السوق» ذي المضامين الاجتماعية هو آلية كفؤة لاستخدام الموارد المتاحة استخداما أفضل، خاصة أن هذه الموارد ناضبة بطبيعتها، كما هو في الكويت. فلا يجوز صرف كل الطاقة على ضلع من هذا المثلث(الديمقراطية) وإهمال الضلعين الآخرين، الاقتصادي والاجتماعي.
لا تستقيم الديمقراطية الحقيقية إلا في مجتمع حر واع ورشيد، وهذا يعني الاهتمام بالجانب البشري المتعلق بالتعليم والتدريب، ولم يكن هناك متسع من الوقت للحديث.عن أهمية رقي التعليم إلا فيما ندر إبان الحملة الانتخابية السريعة الماضية.
وإذا كان ارتباط الاقتصاد بشؤون مادية قابلة للقياس، فان البعد الاجتماعي يختزل نتائج الجهد السياسي والاقتصادي معا، ويؤثر تأثيرا بالغا عليهما، إلا انه غير قابل للقياس الكمي، لذا يبتعد كثيرون عن الخوض فيه والحديث حوله. مع أنه عمود التحديث المرتجى.
والسؤال الذي يواجهنا بعد حملة انتخابية سريعة هل وصلنا إلى فهم احتياجنا لكفاءة مجتمعية تخرجنا مما كنا فيه وما نحن قادمون عليه؟ أم أن الأزمة ستظل مستمرة وتتغير فقط شعاراتها؟ ذلك ما سوف تنبئنا به الأيام المقبلة.
كاتب كويتي
