شأن كثيرين على امتداد عالمنا العربي، لا حصر للمرات التي عكفت فيها على قراءة نص مشروع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي للمصالحة والحوار الوطني، فور قيام وكالة الأنباء العراقية ببثه، وقد كان حرياً بنا أن نفكر معاً بصوت عال بشأنه، خاصة وأنني عندما رفعت يدي عن نسختي من هذا النص، كان النص نفسه قد اختفى تقريباً تحت دفق من الملاحظات والتساؤلات وعلامات الاستفهام.
تمتد علامات الاستفهام هذه، بلا انتهاء تقريباً، ولسنا نشك في أننا سنعود إليها عما قريب، لكن قضية أخرى طغت على السطح، وفرضت نفسها علينا، كما فرضت نفسها على الكثيرين من متابعي الشأن العراقي بحيث تعين علينا أن نناقشها هنا.
من جديد يعود ليطفو على السطح الطرح الأميركي لتقسيم العراق، ولكن هذه المرة في إطار صيغة مختلفة يجري الآن الترويج لها، ربما تمهيداً لتبنيها وفرضها على أرض الواقع العراقي. هذه الصيغة يقدمها ليزلي ه.
جيلب الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، وليس من قبيل الصدفة أنه تم إطلاقها عن طريق مجلة «فورين أفيرز» الأميركية التي طالما استخدمت لإطلاق أفكار ومشروعات ومقترحات أميركية محددة في إطار السياسة الخارجية الأميركية، ربما كبالونات اختبار لرصد ردود الأفعال عليها، قبل تطبيقها على أرض الواقع.
بأبسط المعاني، ووفق تعبير ليزلي جيلب نفسه، فإن هذه الصيغة هي توحيد العراق عن طريق جعله كياناً لامركزياً.
دعنا نقدم هنا قراءة لهذه الصيغة، التي قد نراها تطبق في المستقبل على أرض العراق، من دون ان نغفل عن أن هذه الصيغة أو تنويعات عليها تشكل ما يدور في أذهان الأميركيين بشأن تصورهم للهندسة السياسية لمستقبل العراق:
أولاً: من الناحية الواقعية تواجه الولايات المتحدة خياراً دقيقاً في الوقت الراهن بشأن العراق، تبلور حول بعدين محددين.
هما السياسة التي تتبعها الإدارة الأميركية بالفعل، وقوامها مواصلة البقاء في العراق بغض النظر عن مدى تردي الوضع الأمني هناك، والخيار في إطار هذه السياسة هو الاستمرار في تبنيها أياً كان ما تسفر عنه من مواصلة التورط في المستنقع العراقي.
أما الخيار الآخر فهو تبني سياسة منتقدي إدارة جورج دبليو بوش، وقوامها المبادرة بالانسحاب سريعاً من العراق، بغض النظر عن العواقب التي يؤدي إليها هذا الانسحاب.. ويرى ليزلي جيلب ان أياً من هذين الخيارين يعني خسارة محققة بالنسبة للعراقيين والأميركيين على حد سواء.
ثانياً: هناك ثلاثة عناصر تشكل أبرز ملامح الاستراتيجية الأميركية في العراق، أولها إعطاء الأولوية لدعم حكومة الوحدة الوطنية العراقية، وثانياً التخطيط للانسحاب من العراق بحيث تسحب وحدات أميركية فور اكتمال تدريب وحدات عراقية مناظرة تتولى المسؤوليات الأمنية والدفاعية بدلاً منها.
والملمح الثالث هو الإصرار على مواصلة استهداف الانتصار في الحرب على الإرهاب على الجبهة العراقية. ويرى ليزلي جيلب انه بينما يعلن بوش ان هدفه هو تحقيق هذا الانتصار، فإن كل تحركات إدارته في العراق تشير الى ان هدفه هو مجرد تجنب هزيمة مذلة على أرض الرافدين.
ثالثاً : يعلن ليزلي جيلب الحقيقة الواضحة والبسيطة، وهي انه ما من استراتيجية أميركية، مهما بدت على الورق موحية بالبراعة والاقتدار، تبرهن على انها قابلة للتطبيق على الأرض في العراق، بما في ذلك الاستراتيجية التي تطبقها إدارة بوش هناك حالياً.
وهو لا يتردد في تأكيد ان القول بأنه ما من خيار إلا ذلك الذي يتبناه بوش، وهو الاستمرار في الغرق في المستنقع العراقي، إنما يفصح عن إفلاس أخلاقي واستراتيجي في آن، وهو يقترح بدلاً من ذلك نوعاً من التقسيم الصريح للعراق على أسس عرقية وطائفية.
ولكن مع تغليف هذا التقسيم بغلاف براق، رابعاً: هذه الصيغة، التي يبدو لنا أن جوهرها هو تقسيم العراق الفعلي مع استخدام ورقة توت يطلق عليها اللامركزية، يقدمها لنا ليزلي جيلب باعتبارها التصور العملي القابل للتنفيذ عبر خمسة عناصر، فهو يقترح إنشاء ما يسميه بثلاثة أقاليم، هي الإقليم الشمالي الذي يضم الأكراد، والغربي الذي يضم السنة.
والجنوبي الذي يضم الشيعة جنباً إلى جنب مع حكومة مركزية محدودة ولكنها فعالة تشكل العنصر الجوهري في العراق الموحد فيدرالياً، ومن منظوره فإن المبدأ الكامن في صميم المشروع هو إبقاء العراق موحداً من خلال السماح للجماعات الثلاث بتحقيق طموحاتها العرقية والطائفية والدينية الحقيقية.
وتتوالى باقي عناصر هذه السياسة لنرى التركيز على إقناع السنة بالمشروع من خلال ما يسميه جيلب صراحة بالجزرات الحلوة بما في ذلك السيطرة على الإقليم الذي يحتل وسط العراق وإمدادهم بنصيب وافر من العائدات النفطية، وذلك من خلال تعديل الدستور العراقي بما يجعل التعامل مع قطاع النفط والغاز، بما في ذلك عائداته، من شأن الحكومة المركزية وحدها.
أما العامل الثالث فهو حماية حقوق الأقليات والنساء بربط المساعدات الأميركية للعراق للحكومات الإقليمية الثلاث باحترام هذه الحقوق، والعنصر الرابع يدور حول الانسحاب الأميركي وربطه بتأهيل القوات العراقية البديلة ونشرها قبل نهاية عام 2008.
ويأتي العامل الخامس في مشروع جيلب وهو دعم التكامل الذي يتمتع به الكيان العراقي المقترح ووحدة أراضيه من خلال اتفاق عدم اعتداء إقليمي تحققه الدبلوماسية الدولية النشطة، ويقترح جيلب كخطوة أولى مؤتمر أمن إقليمي بمشاركة جيران العراق، بما في ذلك إيران، لتشجيعها على احترام الحدود العراقية والنظام الاتحادي العراقي.
خامساً: من بعيد، وعلى الورق، ربما يبدو للبعض أن صيغة جيلب المقترحة تعكس مهارة واقتداراً يغيبان عن كل ما حاول الأميركيون تنفيذه على أرض العراق حتى الآن. ولكن لابد من الوقوف عند مجموعة مهمة من النقاط في معرض التعقيب على هذا المشروع:
أ ـ جوهر صيغة جيلب هو تقسيم العراق ـ عملياً ـ إلى ثلاث دول، مع ورقة توت فيدرالية، وعلى الأرض فإن هذا يعني عملية فرز عرقية وطائفية تعيد أصداء نهر الدم الذي شهدته شبه القارة الهندية في الأربعينات من القرن الماضي، ومن المروع حقاً أن جيلب لا يتردد في الاعتراف بالعنف الهادر الذي يفتح له مشروعه الطريق.
وهو يقدم لنا أغرب تبرير في الدنيا يمكن تصوره للضوء الأخضر هذا الذي يعطيه مشروعه للعنف على الأرض العراقية، فهو يقول إن المخاطرة بحدوث العنف في إطار مشروعه ليست أكبر من المخاطرة القائمة في ظل أي اقتراح آخر لإيجاد حل في العراق.
ب ـ الشعار الذي يرفعه جيلب لمشروعه هو أن توحيد العراق سيتم من خلال لامركزيته، أو بالأحرى من خلال تفكيك مركزيته، وهو يقول إن الصيغة التي يقترحها لن تجعل كل العراقيين سعداء.
ولكنها صيغة تعطي لكل مجموعة من مجموعات العراق الثلاث الرئيسية ما تعتبره جوهرياً لها، فهي تعطي للأكراد ضماناً إضافياً لاستقلالهم الذاتي القائم بحكم الأمر الواقع، وتمنح السنة درجة من الحكم الذاتي وتمويلاً مضموناً في صورة عائدات نفطية وفيرة، وتعطي للشيعة الحرية في حكم أنفسهم وثروة نفطية طائلة.
وما يقوله جيلب هنا وجيه حقاً، بل شديد الوجاهة، ولكن شريطة أن يكون العراق شركة عامة مساهمة تقوم على حافز الربح، ويمكن حلها في حالة الخسارة، وهو ينسى أن العراق.. وطن، وليس شركة.
ج ـ تفكيك العراق إلى مكوناته الرئيسية تحت شعار اللامركزية بحسب صيغة جيلب يتناسى العديد من الحقائق الأساسية المتعلقة بالعراق، فماذا عن المكونات الأخرى للعراق؟ وإذا كان جوهر مشروعه هو سحب سكان كل مجموعة إلى أرض الظهير الخاصة بمجموعتها فماذا عن نقاط التداخل الرئيسية؟ ماذا عن بغداد والموصل وكركوك؟ هل يقترح جيلب تركها لتصبح ساحات للدم إلى الأبد؟
د ـ يتحدث مشروع جيلب عما يسميه بالفكر العسكري الأميركي بشأن عملية الانسحاب من العراق، لكننا لا نفهم حقاً جوهر هذا الفكر، فكيف يتم هذا الانسحاب مع القواعد والمطار والنقاط الحصينة التي تشيدها المؤسسة العسكرية الأميركية في مختلف أرجاء العراق، أم أن الفكر العسكري الأميركي يدور حول الانسحاب من العراق والبقاء في هذه النقاط القوية في الوقت نفسه؟
هـ ـ يصل هذا المشروع، أو الصيغة، إلى قمة التردي عندما يتحدث عن تكامل أراضي العراق، فتقسيم العراق إلى ثلاث دول وورقة توت مركزية هو في واقع الأمر إعلان صريح بفراغ سياسي في العراق، سرعان ما سيتحول إلى ساحة اختراق وصراع هائلة الامتداد، والمؤتمر الإقليمي الذي يقترحه جيلب كبداية لحل هذه المشكلة يبدو أقرب إلى النكسة منه إلى أي شيء آخر، وحديثه عن اتفاق عدم اعتداء إقليمي يعيد الأصداء الكريهة لحلف بغداد، ويبدو نذيراً بإطلالة مقيتة للناتو في المنطقة تحت قناع مختلف.
لا يتردد ليزلي جيلب في تحذير قادة الطوائف العراقية الرئيسية الثلاث من أن مشروعه قد يكون الفرصة الأخيرة المتاحة لهم للإفلات من الحرب الأهلية.
ربما كان هذا التحذير أحد العناصر التي يجب أن نأخذها في الاعتبار، ونحن نتأمل الصلة الوثيقة بين صيغة المالكي للمصالحة والحوار الوطني التي تبدو بعيدة عن القابلية للتطبيق وبين أحدث المشروعات الأميركية في العراق، والذي يقوم على التلويح بخطر الحرب الأهلية كجزء من تمرير المخططات الأميركية على أرض العراق.
رئيس قسم الترجمة ـ «البيان»
kamel@albayan.ae