لولا ان الملك عبدالله الثاني بن الحسين يتحرك على الساحة العربية والدولية ويعقد لقاءات تشاورية مع قادة الدول الشقيقة والصديقة لظهر العالم العربي وكأنه جثة هامدة في مواجهة اكثر التطورات والاحداث خطورة على مستقبل المنطقة كلها ، ولكان هذا الصمت ازاء ما يجري في فلسطين والعراق مؤشرا على ان الامة عاجزة عن فعل شيء امام الانتهاكات والاعتداءات التي يتعرض لها الشعبان الفلسطيني والعراقي بغض النظر عن اختلاف وتناقض الجهات القائمة بالعدوان.

واليمن ليست مجرد دولة عربية في جوار الخليج وانما هي في صميم الصراع الخطير الذي تعيشه تلك المنطقة والذي يتعدى حدود العراق وما يحدث فيها من تدمير منظم وحرب اهلية غير معلنة الى التنافس بين قوى من الجوار ومن خارجه لكسب اوراق اللعبة والفوز بدور اللاعب الرئيسي او الشريك ، ولذلك تبدو صنعاء مدركة لما يجري حولها وهي لذلك ارادت ان تنظم وضعها السياسي باعادة ترشيح الرئيس علي عبدالله صالح لمنصب الرئاسة وقد وفرت على نفسهااثبات «استحقاقات اللعبة الممجوجة» التي تحاول اطراف دولية فرضها في هذه المرحلة بالذات على سبيل «الغفوة» قبل الانهيار الكبير.

هناك ـ اي في صنعاء ـ اجتمع الوعي الاردني واليمني على ان التخبط في فلسطين والعراق ، وما تقترفه اسرائيل من جرائم في حق الشعب الفلسطيني ، وهذا الدم المسفوح في العراق على اياد سوداء كثيرة لا يبشر بأي امل ، بل ويدفع نحو اليأس والريبة والشك في امكانية التوصل الى الحلول المنشودة ولذلك فان بروز اصوات عربية تساندها اصوات من المجتمع الدولي يمكن ان تضع حدا لهذا الخراب والدمار والقتل ، وفي كل الاحوال لا بد من ايجاد الوسائل الكفيلة باعلاء كلمة الحق وصون كرامة وحقوق الفلسطينيين والعراقيين وشعوب المنطقة كلها.

دائما كان اليمن ضمن المفهوم الاردني للأمن القومي المشترك ، واليوم حين تتناول المباحثات التعاون الأمني وغيره من القطاعات الاقتصادية الحيوية فضلا عن الشؤون التعليمية والثقافية فان افضل ما يمكن ان يفعله البلدان في هذه المرحلة بالذات حيث تحب بعض الاطراف ان ترى كل دولة عربية معزولة عن الاخرى ومنهكة غير قادرة على التقدم الى الامام ، هو المضي قدما في تعزيز التعاون الثنائي لان فيه من تبادل القوة والاعتماد على النفس ما يكفي للصمود امام تحديات اقتصادية مصطنعة.

من هذه الناحية جاءت القمة بين الملك عبدالله الثاني والرئيس علي عبدالله صالح كي تعطي دفعة للتعاون المشترك ، وللموقف السياسي العربي ازاء التطورات الجارية في المنطقة وتبعث رسالة للاطراف الاخرى بأنه لا مفر من اعتماد الوسائل السلمية والحوار الهادف لحل النزاعات اما الوسائل الاخرى العسكرية والدموية «وما ليس لها اسم يناسب قباحتها» فانها تؤجج الصراعات وتعمق العداوة والبغضاء وتبقي الصراع وتورثه من جيل الى جيل.

ولذلك فنحن في الاردن وفي اليمن دعاة سلام ليس لأنه اجمل او احلى او الطف من الحرب بل لأنه يتفق مع القيم والمبادىء والمثل العليا الانسانية ، وهو لذلك لا يأتي على ايدي الاشرار ولا تمنحهم الحياة اصلا فرصة من هذا النوع ، لكن الفرصة تظل تبحث عن الشرفاء الشجعان الذين لم تتلوث ايديهم بالدماء ولا ضمائرهم بالفساد ، وباختصار فان «ابا الحسين» واحد في مقدمة اولئك النبلاء الذين يصنعون تلك الفرصة.