بين تجارب التحولات الديمقراطية ومحاولات التغيير الثورية في بلدان الوطن العربي، برزت أمامنا عدة نماذج للتغيير وعدة محاولات ثورية للتحول الديمقراطي، انتقالا من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية في الطريق إلى الديمقراطية،أحدثها النموذج الموريتاني وأوسطها النموذج السوداني وأعرقها نموذج الثورة المصرية.
في موريتانيا الإسلامية التي شهدت العديد من الانقلابات بعد الاستقلال، لكن الانقلاب الأخير جاء واعداَ بالتغيير الإيجابي وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعداد التشريعات وإدخال تعديلات دستورية جوهرية خلال الفترة الانتقالية لتمهيد الطريق لانتخابات رئاسية في الطريق لإقامة حياة ديمقراطية حقيقية استجابة لإرادة الشعب الموريتاني.
كانت أداة التغيير هي قيادات الجيش والشرطة التي بدت كأداة لإرادة شعبها نظرا لسيطرة الحزب «الجمهوري» الحاكم بالأساليب التقليدية غير الديمقراطية على مفاصل الحياة السياسية، وامتلاء المعتقلات بالسياسيين والإسلاميين المعارضين، ولعدم إمكانية الأحزاب الشعبية الضعيفة من إحداث التغيير بالوسائل السلمية الدستورية.
وحدث ذلك في ظل دعوات للتغيير لحكم «الرئيس الطايع» الذي أدخل موريتانيا الإسلامية «إلى دائرة من الجدل والغضب الوطني والقومي جراء إقدامه على إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل رغم الرفض الشعبي المتزايد نظرا لانسداد قنوات هذا التغيير المنشود.،
وحظي التغيير العسكري بتأييد شعبي من القوى السياسية والدينية، ووعد العسكريون بتسليم الحكم للسياسيين المنتخبين بعد إجراء الانتخابات الديمقراطية، وبدأوا في إطلاق سراح المعتقلين، وتشاوروا لأول مرة مع جميع قادة الأحزاب والتيارات الدينية والسياسية في البلاد حول ملامح الفترة الانتقالية التي أعلنوا أنها لن تزيد على عامين.
وتابع المراقبون وفاء القيادة الانتقالية الجديدة بوعودها الديمقراطية وتصحيح الأوضاع بإزالة أسباب الفساد والاستبداد، وتمهيد الطريق لينال الشعب الموريتاني حقه الطبيعي في الحرية والعدالة والمساواة. وإذا كان قادة التغيير في موريتانيا قد نجحوا فى اجتياز التحدي الداخلي بالحصول على تأييد معظم القوى الشعبية، والتحدي الخارجي الذي أبدى قلقا في «واشنطن» و«تل أبيب»، و«باريس» و«أديس أبابا» بدعوى أن الانقلاب العسكري ليس هو الوسيلة الدستورية السياسية للتغيير..
،لكن هذا الموقف كان يفقد منطقه عندما يرد قائد الأمن الوطني الذي قاد الانقلاب بأن «ولد الطايع» الذي يحظى بدعم هذه العواصم الآن كان قائداً للجيش الوطني واستولى على الحكم منذ21عاما بانقلاب عسكري مماثل. لكن الجامعة العربية على لسان أمينها العام عمرو موسى دعت إلى احترام إرادة الشعب الموريتاني، لأنه الفيصل في النهاية والمعيار الوحيد للشرعية عندما يشارك في انتخابات ديمقراطية حقيقية، وليس في لعبة سياسية اسمها الانتخابات..
وبعد الاستفتاء الأخير على الدستور الجديد الذي صوت الشعب بتأييده في ظل رقابة عربية وإفريقية ودولية بنسبة تزيد على 96% من الناخبين الذين وصلت نسبتهم إلى ما يزيد على 77% من مجموع الذين لهم حق التصويت، مما يشير إلى استجابة التعديلات الدستورية لإرادة الغالبية الهائلة من الشعب الموريتاني..
وأهم هذه التعديلات كان تحديد فترة الرئاسة بما لا يزيد عن دورتين لإتاحة الفرصة لإمكانية التداول السلمي للسلطة، بما يمنع طول فترة رئاسة فرد واحد دونما حد بما قد يفضى إلى «التأبيد»..وتحديد سلطات رئيس الجمهورية بما يمنع شبح الاستبداد الفردي أو الفساد الجماعي من بعض المحيطين بدائرة السلطة..
وأهم من هذه التعديلات هو إعلان الرئيس الانتقالي «أعلى محمد ولدفال» بطريقة تبدو مانعة وجامعه أنه أو أي من أعضاء المجلس العسكري لن يتم ترشيح منهم لانتخابات الرئاسة المقبلة المقرر إجراؤها فى مارس القادم مع نهاية العامين الانتقاليين وأنه سعيد بأن يكون لقبه «الرئيس المتقاعد».
واللافت للملاحظة أن الحكم الجديد لم يحظر الأحزاب القديمة والأهم هو عدم المساس بالحزب الحاكم القديم وإتاحة الفرصة له لإعادة البناء ودخول المعترك السياسي. و مع أن التجربة الموريتانية الإيجابية حتى الآن والصادقة فى وعودها لجماهيرها قد حظيت بتأييد شعبي لافت يكسبها المشروعية فى انتقالها من الشرعية الثورية إلى الدستورية الديمقراطية
فمن السابق لأوانه أن تتحول إلى نموذج ملهم لغيرها إلا بعد اكتمالها وانتقال السلطة سلميا إلى الرئيس الجديد المنتخب ديمقراطيا في انتخابات نزيهة وشفافة في ظل إعلام حر وفى ظل قضاء مستقل. فهل صدق «أعلى ولد فال» في وعوده ودخل إلى جانب «سوار الذهب» في سجل التاريخ ؟!
mamdoh77t@hotmail.com