أتيحت لي فرصة نادرة بزيارة دولة رواندا لأول مرة في الأسبوع الماضي بسبب تدشين اللجنة التنفيذية لمنظمة إفابا IFAPA (المبادرة المشتركة من أجل السلام في إفريقيا) في العشرين من شهر يونيو، وقد اختير مجلس التعايش الديني السوداني عضوا باللجنة التنفيذية التي تضم 25 عضوا يمثلون أقاليم إفريقيا الخمسة.
وكان ضمن أجندة البرنامج الذي وضع لنا زيارة متحف الإبادة الجماعية (Genocide) التي وقعت في أبريل من عام 1994م وذهب ضحيتها حوالي مليون شخص أغلبيتهم الساحقة من قبيلة التوتسي التي اتهمت بمساندة «الجبهة الوطنية الرواندية» التي كانت تقود تمرداً مسلحا منذ عام 1990م ضد حكومة الهوتو بزعامة هابيارمانا منطلقة من الجارة يوغندا.
وكانت الزيارة للمتحف تجربة مريرة بالنسبة لي فمشاهدة صور القتلى المكدسة بالمئات والآلاف في مواقع مختلفة تثير القشعريرة والألم في أي نفس بشرية سوية، صور النساء والأطفال والشيوخ المذبوحة ترقد فوق بعضها البعض وقد بدأت تتحلل وتتكشف عظامها وتتغير خلقتها الأولى إلى أخرى مرعبة.
وقد جرت عملية الإبادة المنظمة في كل مكان بما في ذلك الكنائس التي ظن الناس أنها حرم آمن فإذا بهم يفاجأون بأن بعض القساوسة من الهوتو يشتركون في المذبحة ويقتلون أتباعهم في ذات الكنيسة. واشترك في تخطيط المذبحة وتنفيذها القوات النظامية الحكومية والميليشيات إلى دربت على القيام بمثل هذا العمل قبل فترة طويلة، فقد تكررت الاعتداءات الجماعية على التوتسي منذ قبيل الاستقلال بتشجيع من المستعمر البلجيكي،
فقد تم إجلاء 700 ألف منهم خارج البلاد بين عامي 1959 و1973 كان من بينهم الرئيس كيغامي الذي هاجرت أسرته إلى يوغندا في 1959، ثم بدأت عمليات القتل في أكتوبر 1990 ويناير 1991 وفبراير 1991 ومارس 1992 وأغسطس 1992 ويناير 1993 ومارس 1993 إلى المذبحة الكبرى في أبريل 1994.
الغريب في الأمر أن المذبحة حدثت أمام أعين قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام التي أرسل قائدها الجنرال روميو دالير بأنه يحتاج فقط إلى بضعة آلاف من الجنود لإيقاف المذبحة التي انكشفت معالمها بعد مقتل الرئيس الهوتي هابيارمانا في حادث تحطم طائرته قرب مطار كيغالي، وأشارت أصابع الاتهام بقتله إلى المتطرفين من حزبه وقواته النظامية لأنه عقد اتفاقية مع حركة المتمردين التوتسي في أروشا لاقتسام السلطة معهم.
وجاء الرد إلى قائد قوات الأمم المتحدة (معظمها قوات بلجيكية) بعدم الاشتباك مع القتلة ولكنها أرسلت تعزيزات إضافية بقصد إجلاء الأوربيين الأجانب، كان ذلك العدد كافيا لوقف المذبحة! وفي ذات اليوم الذي أبدى فيه مجلس الأمن استنكاره الشديد للمذبحة الجماعية التي طالت النساء والأطفال بأعداد كبيرة (21/4/1994) قرر تخفيض قوات الأمم المتحدة إلى 270 فردا من الغانيين المتطوعين.
ولن ينسى التاريخ ذلك العار الذي لحق بالأمم المتحدة من جراء تلك المذبحة الجماعية، في حين تواطأت فرنسا ببيعها أكبر صفقة سلاح للجيش الرواندي بمبلغ 12 مليون دولار وبقرض ضمنته الحكومة الفرنسية، ووقفت الولايات المتحدة متفرجة طيلة شهور المذبحة الثلاثة!
ولم تكن صورة الشعب الرواندي كلها حالكة السواد فقد ظهرت نماذج من بين أفراد القبيلة الحاكمة ضربت مثلا أعلى في الشجاعة والنبل والتضحية، منهم مدير فندق دي ميلي كولينيز الذي آوى أكثر من ألف شخص داخل بدروم فندقه لمدة مئة يوم معرضا حياته للخطر في كل ساعة من ساعات اليوم إذا تم اكتشاف أمره،
وقد سجلت قصته بصورة درامية أصبحت فيلما ناجحا كسبت منه هوليوود مئات الملايين من الدولارات؛ والشاب قيسمبا الذي يبلغ من العمر 32 عاما كان يدير ملجأ للأيتام به 65 طفلا فإذا به يفاجأ بالمئات من النساء والأطفال والجيران يلجأون إليه طالبين الحماية فتصدى للمسؤولية الجسيمة الخطرة وقبل التحدي إلى أن انقشعت الغمة بعد ثلاثة أشهر،
ومن الغريب أن أطفال الهوتو بالملجأ استجابوا لطلب معلمهم بعدم كشف سر من تواجد بالملجأ مع أن غيرهم من أطفال الهوتو اشتركوا في المجزرة؛ وهناك قسيس الكنيسة الأسقفية وهو من الهوتو لكنه رفض أن يسلم من لجأ إليه في الكنيسة ويشارك في قتلهم فكانت النتيجة أن قتل 15 ألفا من التوتسي داخل كنيسته ومن بينهم القسيس نفسه الذي رفض الخروج والنجاة بجلده؛ ولعب كثير من المسلمين دورا رائعا في حماية الخائفين الذين لجأوا إليهم في المساجد أو البيوت وحفظ لهم الرئيس كيغامي ذلك الجميل إلى هذا اليوم.
ولكن صورة رواندا اليوم تختلف تماما عن صورتها في ذلك التاريخ الأسود من التسعينات، وكأنما الخطيئة التي ارتكبت في تلك الفترة قد غسلتها تماما من العنف والحقد والتعالي العرقي الذي ساد في أبشع صورة بشرية. وبالرغم من أن الطبقة الحاكمة اليوم تنتمي في معظمها إلى قبيلة التوتسي والى الجبهة الوطنية الرواندية التي اكتسحت البلاد في أعقاب المذبحة،
إلا أن هناك مشاركة في الحكم من قبل بعض الهوتو وقام في البلاد نظام تعددي ديمقراطي يسمح بمساحة واسعة من حرية التعبير والنقد والتنظيم، ويسود السلام وحكم القانون في كل ربوع البلاد لذلك استطاعت رواندا إرسال الآلاف من جنودها لحفظ السلام في السودان! وتعتبر مدينة كيغالى من أكثر العواصم الإفريقية أمنا ونظافة وهدوءاً.
وصعب على أن أفهم سر هذا التناقض بين صور المذبحة البشعة في المتحف وبين الهدوء والسكينة والمرح الذي يظلل الناس في شوارع كيغالى وكأن لا صلة البتة بين هؤلاء وأولئك! ورغم صغر مساحة رواندا (أقل من 24 ألف كيلو متر مربع) وقلة مواردها الطبيعية الا أنها تشهد انتعاشا اقتصاديا وتجارة متنامية. السر في كل ذلك هو الإرادة السياسية والقيادة الحكيمة التي تمثلت في شخصية الرئيس كيغامي والدعم الدولي الذي تقاطر على البلاد تكفيرا عن خطيئة الصمت والتجاهل.
قام الرئيس كيغامى بافتتاح اجتماعات إفابا ودشن تكوين اللجنة التنفيذية للمنظمة ووعد بدعمها بكل وسيلة خاصة إذا ما فتحت مكتب سكرتاريتها في العاصمة الرواندية، ورغم إعجابي بالمدينة الصغيرة الجميلة إلا أني عارضت فتح المكتب فيها مفضلا عليها مدينة أديس أبابا التي تلتقي فيها كل المؤسسات الإقليمية الإفريقية والدولية مما أغضب عليّ صديقي الحاج صالح مفتى رواندا.
وقد تجرأت ودعوتهم لعقد مؤتمرهم القادم عام 2008 في السودان، وربما يزور وفد من الأمانة العامة الخرطوم قريبا ليدعم عملية السلام كما سبق له زيارة مناطق الحركة بالجنوب في العام الماضي.
كاتب سوداني