كيش جزيرة إيرانية لا تزيد مساحتها على 100 كلم مربع لها مكان في التاريخ القديم والمعاصر. تقول بعض الروايات انها أول مدينة أسست بعد طوفان سيدنا نوح (ع). زارتها جيوش الاسكندر الأكبر وحط فيها الرحال ماركو بولو وابن بطوطة.. يبدو أن هذه الجزيرة ستعود إلى واجهة التاريخ من بوابة عالم المال هذه المرة.

يوم الأربعاء 21 يونيو عقد مجيد شايسته المدير التنفيذي لمنطقة التجارة الحرة في هذه الجزيرة التاريخية مؤتمرا صحافيا مكرسا لقضايا التعاون بين هذه المنطقة والمنطقة الاقتصادية الخاصة بالطاقة في «بارس» (أسالويه). وفي معرض رده على أسئلة الصحافيين قال شايسته ان افتتاح بورصة النفط الإيرانية في كيش سيتم في النصف الأول من السنة الشمسية الإيرانية 1385 ( تمتد من21 مارس حتى 22 سبتمبر 2006).

وتجري في الوقت الراهن مشاورات نشطة بين كل المسؤولين المعنيين. كما أنه تم استلام كل المعدات الضرورية من أجل عمل هذه البورصة بالكفاءة اللازمة. وقال بأن عمل هذه البورصة سيحدث تأثيرا إيجابيا على الاقتصاد الوطني، بما في ذلك إعادة تطوير جزيرة كيش. وسينعكس ذلك قبل كل شيء في الزيادة المحسوسة لتدفقات السائحين الذين سيزورون الجزيرة، وان نوعا جديدا من السياحة سيظهر، هو السياحة النفطية «بتروتوريزم».

وثمن شايسته عاليا الإنجازات الاقتصادية للمنطقة الاقتصادية الخاصة للطاقة «بارس». وقال بأن كثيرا من شركات النفط التي تتعاون بشكل وثيق مع هذه المنطقة لها في الوقت الحاضر مكاتبها وممثلياتها في منطقة التجارة الحرة في كيش، ما سيوجد ظروفا مواتية لتعاون إدارتي المنطقتين.

ويعتقد عدد من الاختصاصيين أن المخاطر الرئيسية في العشرية الحالية هي في الاتجاهات التي تبدأ في الظهور مع تغير التوجه في حسابات النفط العالمية من الدولار الأميركي إلى اليورو، وما يدور حول ذلك من مبادرات سياسية أميركية. ومن الممكن أن تصبح بورصة النفط الإيرانية (IOB) أحد محفزات هذه الاتجاهات.

بعد إعلان الرئيس بوش في فبراير 2005 أن كل الخيارات تجاه إيران موضوعة على الطاولة، كتب ويليام كلارك في 2 أغسطس 2005 في «Media Monitors Network» مقالته الشهيرة «رفاهية البترودولار : الدولار، اليورو وبورصة النفط الإيرانية القريبة : «إن إعلان إيران افتتاحها بورصة النفط يتطلب تدخلا أميركيا، ذلك لأنها تهدف إلى إيجاد جسر متين للعملة الأوربية في تجارة النفط العالمية.

وفي ظل مشروع المحافظين الجدد للهيمنة الكونية المعلن من قبل الحكومة الأميركية يعتبر عمل إيران هذا تطاولا على مكانة الدولار المتفوقة في سوق النفط العالمية ذات الأهمية الحيوية». والآن نجد أنه بعد ثلاثة أيام فقط على تصريح شايسته المذكور شددت أميركا في 23 يونية اتهاماتها لإيران بالقيام بعمليات تخريبية في العراق وبتدريب مناوئين عراقيين في لبنان.

الصراع اليوم هو من أجل التفوق النقدي النفطي. وإذا ما أصبحت بورصة النفط الإيرانية بديلا واقعيا عن المراكز المالية التقليدية لتجارة النفط العالمية في لندن (IPE) ونيويورك (NIMEX)، فإن تجاهل هذه الحقيقة سيكون متأخرا. وتذكر الغارديان بأنه «حتى وإن كان تغيير توجه حسابات النفط من الدولار إلى اليورو لم يكن بالضرورة السبب الحاسم لغزو العراق،

فإن هذه الحقيقة لعبت ليس الدور الأخير على الأغلب. وصادرات العراق من النفط التي شكلت حوالي 9,2% من العرض العالمي أصبحت مع ذلك ملحوظة بشكل محسوس في السوق، في الوقت الذي تشكل صادرات إيران النفطية 5% من العرض العالمي ...».

لكن الاقتصادي البريطاني إميلي روتليدج يعتبر أن الأحاديث حول أن شيئا ما يمكن أن يحل سريعا محل الدولار في الحسابات النفطية مبالغ فيها بدرجة كبيرة. وأن من الصعب تصور أن تجار مواد الطاقة الكثر سيبدؤون في التزاحم على فتح مكاتب لأنشطتهم في إيران المدرجة على قائمة «محور الشر« من قبل الولايات المتحدة ، أكبر مستهلك لهذا النفط.

ورغم ذلك فمع مضي الوقت من الممكن أن يغير قسم من تدفقات الأموال اتجاهاته من IPE و NIMEX نحو إيران التي تتعامل باليورو. ولكي لا ننزع نحو المبالغة دعونا نقف على كم هو بالفعل ثمن المسألة الإيرانية ؟ لنقارن بين بعض المؤشرات. «وول جورنال ستريت» تتوقع أن تبيع إيران من النفط خلال هذا العام ما قيمته 55 مليار دولار.

في ذات الوقت تبلغ نفقات أميركا في حرب العراق 144 مليار دولار. فوائض موازنات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة تقدر لهذا العام بنحو 170 مليار دولار. حجم الممتلكات الموجودة في «تايمز سكوير» تقدر بحوالي 200 مليار دولار. وأخيرا، يقدر حجم الناتج الإجمالي المحلي العالمي لعام 2004 بحوالي 55 تريليون دولار. وبهذا فإن صادرات النفط الإيرانية لا تشكل قيمة تذكر في تدفقات الأموال الدائرة في الأسواق العالمية.

وبمقارنة ملموسة أكثر نجد أن سوق مواد الطاقة على أهميته ليس هو الأكبر في السوق العالمي. الأكبر هو سوق المال، أو ببساطة FOREX. فمتوسط حجم المعاملات في هذا السوق يقدر بحدود 3 تريليونات دولار في اليوم الواحد، أو ما يزيد على 500 تريليون دولار سنويا. وقرابة 90% من الصفقات تبرم بالدولار الأميركي. أي أنه خلال يوم واحد من معاملات سوق المال يتم التعامل بأموال أكثر مما تستطيع صناعة النفط الإيرانية توليده خلال عام كامل.

ومع ذلك عندما يعود المراقبون إلى وثائق المحللين في واشنطن يجدون إدراكهم بأن بدء عمل بورصة النفط الإيرانية يعني بداية عملية مضادة من البترويورو للبترودولار، تنتشر في واحدة من أهم الأسواق العالمية - سوق مواد الطاقة. وأن هذا سيحد من قدرة الولايات المتحدة بالنفقات السابقة على مواصلة الاقتراض من السوق الخارجي بسبب انخفاض الطلب على العملة الأميركية وكنتيجة لانخفاض سيولتها.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com