لا شك أن النسبة العظمى التي تشكلت منها الحياة على سطح هذا الكوكب هي من مادة مكونة من خليط كيميائي (ذرتي هيدروجين وذرة اوكسجين) ألا وهي الماء، ويشكل الماء نسبة الغالبية العظمى من المساحة على سطح كوكب الأرض حيث تقدر نسبتها بحوالي 80%. ومقولة (الماء شريان الحياة) هي في حد ذاتها توضح بصورةٍ كافية الأهمية البالغة التي يحتلها عنصر الحياه الأول (الماء) وليس من قبيل المبالغة إذا قلنا: لا يكاد يوجد شيء تقريباً على هذا الكوكب لا يعتمد على الماء أو لا يكون مكوناً منه.
إضافةً إلى ذلك شكل الماء عصب حياة لكثيرٍ من الحضارات التي قامت في سالف العصر. وخير مثالٍ على ذلك حضارتا الفراعنة والبابليين اللتان قامتا على أكثر أنهار العالم العربي شهرةً النيل ودجلة والفرات، ليس هذا وحسب بل كانت الحروب قديماً تقوم بسبب الصراع حول المياه. وتاريخ الحضارات القديمة يزخم بكثيرٍ منها.
فالماء كان ومازال يشكل سبباً للحياة ولاستمرار البشر وغيرهم، لكنه إذا ما مزج الماء بالسياسة فإننا في هذه الحالة أمام سلاحٍ ذي حدين، فإما أن يكون هذا السلاح قادراً على توفير الأمن لمن امتلكه وساعد على استمرار الحياة والبقاء له، أو أن يستخدم كأداة لبث الرعب في نفوس الآخرين لكونه سلاحاً فتاكاً وورقة ضغط سياسية ذات قوة سحرية لا مثيل لها.
وإذا أردنا تحديد خطورة هذا المزج بين الماء والسياسة فلا ضير أن نلقي نظرةً ولو سريعة على الصراع العربي الإسرائيلي ونأخذه كمثال على هذا الخطر ولا يخفى علينا أن هذا الخطر المستقبلي لا يقف عند أعتاب الكيان الصهيوني بل يمتد إلى بعض الدول الأخرى مثل: تركيا وإثيوبيا.
لكن سنحاول التركيز هنا على خطر الكيان الصهيوني حول ما يتعلق بملف قضية المياه ومحاولة إسرائيل الحصول على مياه العالم العربي واحتكارها بأي وسيلةٍ كانت وبأي تكلفةٍ باهظة الثمن وذلك في سبيل بقاء الكيان الإسرائيلي على قيد الحياة. يعتبر الماء بالنسبة لكثير من الدول العربية هو الجوهر لأغلب القضايا السياسية والاقتصادية الساخنة والمركزية المتعلقة بمواضيع مصيرية مثل: التنمية، كما أنه يمثل محركاً هاماً لكثير من السياسيات الخارجية والعلاقات الدولية.
وأوضاع العالم العربي المائية في حقيقة الأمر لا تبشر بخير لكونها تعاني من أزمة في المياه نتيجة وجود العجز المائي ناهيك عن معدل معظم المياه المشتركة مع الدول الأخرى غير العربية الذي يصل إلى ما يقارب أكثر من 60% من الموارد المائية العربية تأتي من خارج أراضي الوطن العربي، الأمر الذي يحتمل وجود تهديد من الخارج على المياه. وذلك يستدعي فعلاً دق ناقوس الخطر حول الأمن المائي العربي وضرورة الاهتمام به ووضعه في أعلى سلم أولويات استراتيجية السياسة العربية.
لماذا تنوي إسرائيل الاستيلاء على المياه العربية؟ إن ما تقوم به دولة الكيان الصهيوني من ممارسات بشعة وقمعية تجاه الشعب والأرض الفلسطينيين لا يختلف بشكلٍ كبير عن ما تنوي القيام به في المستقبل تجاه العرب برمتهم نتيجة إعلان نيتها التامة حول تبنيها سياسة التعطيش نهجاً لها في مواجهة الأجيال العربية القادمة.
الأمر الآخر الذي يجعل إسرائيل متعطشةً للمياه العربية هو أن إسرائيل تعتبر المياه عامل ضغط سياسي قوي يشكل بالنسبة لها أحد أهم مكونات الاستراتيجية الإسرائيلية من أجل تحقيق الحلم الإسرائيلي ببناء إمبراطوريتهم الخاصة التي تمتد من الفرات إلى النيل. وهذا يتضح لنا بصورةٍ واضحة إذا نظرنا إلى عَلم إسرائيل فإننا نجده تجسيداً واضحاً لمثل هذه الفكرة، فالخطوط ذات اللون الأزرق التي تحتوي بينها نجمة إسرائيل السداسية ما هو إلا خريطة الإمبراطورية الصهيونية التي تمتد شمالاً إلى دجلة والفرات وتمتد أيضاً إلى نهر النيل جنوباً.
لقد قامت القوات الإسرائيلية في عام 1982 بغزو الأراضي اللبنانية للسيطرة على نهر الليطاني ناهيك عن احتلالها لنهر الأردن إضافةً إلى اغتصاب جزء من الأراضي السورية المتمثلة في مرتفعات الجولان، ويكمن السبب الأساسي وراء سعي إسرائيل بحثاً عن الماء في مرتفعات هضبة الجولان السورية كونها تقبع فوق مستودع مائي كبير، كما أن الكيان الصهيوني أوكل مهمة البحث عن المياه وإجراء مسوحات مائية على الأراضي العربية
فقد عكفت شركة تخطيط المياه (تاهال) على دراسة المواضيع المتعلقة بالمياه وتوصلت إلى اكتشافات مهمة ووفقاً للمعلومات التي حصلت عليها الشركة فإن أمطار الجولان الغزيرة والمقدرة بنحو (2,1) مليار مترٍ مكعبٍ سنوياً لا تقوم بتغذية المجاري المائية في منطقة الجولان وإسرائيل وحسب بل تشكل مخزوناً مهماً للمياه الجوفية لا مثيل له في المنطقة له قدرة على تغذية الينابيع الرئيسية في الجولان وخارجه.
ويقول أحد التقارير المنشورة حول قضية المياه: إنه بمجرد انسحاب إسرائيل من أراضي هضبة الجولان فهذا يعني انتقال 40 مليون متر مكعب من المياه من السيطرة الإسرائيلية إلى السيطرة السورية العربية مما يمثل ضربة قوية موجه لإسرائيل. وفي حقيقة الأمر إن إسرائيل غير مستعدة للتضحية بمثل هذه الثروة، وغير قادرة على تلقي مثل هذه الضربة في ظل الظروف الحالية لها.
إن هدف إسرائيل من القيام بكل هذه المحاولات هو الاستيلاء على المياه وهذا ما يتنبأ به المحللون الاستراتيجيون، فيؤكدون أن الحرب في المستقبل هي حرب مياه بالأساس وليست حرباً على النفط أو أي شيءٍ آخر. كما أنه يمككنا القول بأن محاولات الكيان الصهيوني السطو بأي طريقةٍ على مصادر المياه في الوطن العربي إنما هي في حد ذاتها تنم عن توجه سياسي ثابت للسياسة الصهيونية وليست محاولات سطو تعبر عن مرحلة زمنية نسبية معينة لسد حاجاتها من المياه.
لكن ما يهمنا في هذا الخطر القادم هو الحلول المقترحة للتصدي لمثل هذه الأزمة من أجل تفادي الخطر السياسي المحدق. هناك حلولٌ كثيرة تحتاج بالفعل إلى إرادة سياسية لتحريكها في عالمنا العربي فعلى سبيل المثال لا الحصر، 1. وضع مثل هذه القضايا المستقبلية التي من شأنها تحديد مصير الأجيال العربية القادمة ضمن أولويات سلم الحكومات العربية
وتشجيع مراكز البحوث المائية على البحث في أبعاد هذه الأزمة والخروج بحلول ومشاريع مائية تساعد على تخفيف حدة أزمة المياه. 2. الوقوف وقفة الرجل الواحد في وجه المطامع الخارجية والسياسات التي من شأنها سلب العرب حقوقهم في المياه وهذا مطلب ضروري حقاً في ظل زمنٍ تفشى فيه التشرذم السياسي والفكري.
قسم العلوم السياسية
جامعة الإمارات
ali_alahbabi@hotmail.com
