من المذهل، أن يرى ويشهد العالم العربي والعالم بأسره وبأم عينه، نوعية الرد الفلسطيني ضد القوات العسكرية الإسرائيلية في العملية الفدائية التي دعيت باسم عملية «الوهم المتبدد» التي صعقت جيش الاحتلال من تحت الأرض، فقتلت وأسرت من جنوده. وهي العملية التي أتت في سياق الرد الفلسطيني بعد أن استباحت قوات الاحتلال كل شيء، وتمادت في عمليات تصفية واغتيال الكوادر السياسية والعسكرية الفلسطينية على حد سواء.
ومن المذهل أن يرى العالم هذا الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في الداخل، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص. فقد فشلت عاصفة «أمطار الصيف الإسرائيلية» حتى الآن في إحداث التراجع وتوليد الإحباط في الشارع الفلسطيني، في سياق الخطوات المتسارعة التي توالت فصولاً دموية وضغوطاً غير عادية على حكومة إسماعيل هنية ومجمل الحالة الفلسطينية.
لكن من المفاجئ أن يرى الشعب الفلسطيني، رد الفعل المتواضع في الشارع الشعبي العربي، وفي الإطارات الرسمية العربية التي تحشرجت أصواتها، وخرجت أصوات خجولة، ولم تنطق بما يجب أن يقال في ظل عدوان استثنائي يواجهه الفلسطينيون في الداخل، وأمام الصمت الدولي الذي يتغذى منه أيهود أولمرت في عدوانه المتواصل. فارتقاء الصوت العربي الشعبي والرسمي أضحى ضرورة لابد منها في إسناد الشعب الفلسطيني، وتوفير الدوافع الضرورية لاستمراره في الصمود والمثابرة أمام جبروت القوة الطاغية.
إن عملية «عاصفة أمطار الصيف الإسرائيلية» تجاوزت كل المحرمات، واتخذت من الأسير الإسرائيلي جلعاد شليت شماعة لعدوانها، واستمرأت سلوكها بالمزيد من سياسات التحدي للشرعية الدولية، بما في ذلك اختراق المجال الجوي السوري فوق مدينة اللاذقية، وتوجيه الاتهامات لسوريا العربية، وتحميلها مسؤولية الرد الفاعل والصاعق ضد معسكر قوات الاحتلال في «كفار شاليم»، وهي نغمة تعودنا عليها في تصدير الأزمات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، فقد أصبحت حكومة ايهود أولمرت تتصرف كسلوك النعامة التي تضع رأسها تحت الرمال هرباً من الصياد.
ومع هذا، فان المطالبة الفلسطينية بإطلاق سراح الجندي الأسير مقابل الإفراج عن النساء من سجون الاحتلال مطلباً محقاً، ويندرج في إطار المطالب العادلة. فالجندي الإسرائيلي وقع أسيراً بيد قوى المقاومة أثناء العمليات العسكرية لقوات الاحتلال ضد شمال ووسط وجنوب قطاع غزة، فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967. فهناك أكثر من عشرة آلاف أسير فلسطيني في سجون الاحتلال، من حق الواحد منهم أن يرى النور تحت أشعة شمس وطنه بعد اعتقال ظالم تم بفعل قوة وغطرسة الاحتلال.
ان العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أبعد من جلعاد شليت الجندي الأسير، فالشعب الفلسطيني بأجمعه أسير ومختطف لدى الاحتلال، فقد جاء العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة ومناطق الضفة الغربية، بعد أن أعلنت القوى الفلسطينية، خصوصاً حركتي فتح وحماس عن التوصل إلى توافق فلسطيني داخلي بشأن الوثيقة المعروفة باسم وثيقة الأسرى، بعد فترة من الاحتكاكات والشد والاسترخاء.
فكان العدوان الإسرائيلي حملة دموية لتدمير التوافق الفلسطيني وإعادة بث الإرباكات وإلقاء التهم بين الأطراف الفلسطينية بعضها البعض. وبعد أن تواترت المعلومات المؤكدة عن قرب التئام الاجتماع الشامل للقوى الفلسطينية جميعها في دمشق للبحث في ترتيب أوضاع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية العليا لكل الشعب الفلسطيني، والبحث الكامل في وضع آليات العمل لانضواء حركتي حماس والجهاد الإسلامي في إطار المنظمة، وإعادة ترتيب وبناء مؤسساتها من جديد.
وانطلاقاً من المعطى إياه، فان القوى الفلسطينية مجتمعة باتت على قناعة تامة بأن الطرف الإسرائيلي يسعى بكل جهوده لمنع التوصل إلى توافق فلسطيني بين حركتي فتح وحماس، ومنع تشكيل حكومة فلسطينية ائتلافية تضم بين ثناياها أوسع ألوان الطيف السياسي الفلسطيني، ومنع تواصل الحوارات الفلسطينية الموحدة للداخل والشتات.
كاتب فلسطيني ـ دمشق