تتدهور الأوضاع في الساحات العربية الملتهبة، بوتيرة غير مسبوقة، جروحها تكبر ونزيفها يقوى وأزماتها تتعقد، على نحو يفتحها على الأسوأ المجهول. مرّت على المنطقة ظروف قاسية وتعرضت لضربات موجعة ومكلفة، لكن ولا مرة كانت بهذه المساحة وبهذا التزامن. كلها تدفقت مرة واحدة وصارت مثل كرة الثلج، بسرعتها وحجمها وما تختزنه من قوة مدمرة.

والمؤرق، بل المخيف، أنها تبدو مندفعة بهذا الشكل من غير قدرة على كبحها، وكأن الكوابح تعطلت أو استقالت، فليس في الميدان سوى محاولات ومبادرات منفردة، تنشط وتعمل، سعياً لتحقيق لحظة التقاط أنفاس؛ على الأقل. لكن العملية تبدو كمن يلهث وراء سراب، كلما اقترب منه، كلما ابتعد، تحركات بالمفرّق غير قادرة على التصدي لتحديات بالجملة، وهي تحديات من عيار المحنة الخطيرة التي تهدد المصير في المنطقة.

العراق يرتفع في صحنه منسوب الدم يكاد يتحول إلى مسلخ بشري لا يمر يوم من غير مجزرة. والمنحى متصاعد. العملية السياسية استكملت هيكليتها وانطلقت بمشروع للمصالحة، مبادرة أوحت بأن الوضع ربما بدأ يتلمس طريقه نحو الخروج من النفق. لكن سرعان ما عادت الخلافات إلى الظهور. والأخطر أن ذلك أعقبه موجة عنف عاتية، مصبوغة بألوان مذهبية فاقعة، وصار من المعروف والواضح في العراق أن التأزيم السياسي يرافقه أو يعقبه تصعيد دموي ويقتات عليه.

متتالية راكمت من الكوارث والمآسي ما يكفي لهد الجبال. والدوامة مرشحة لتصبح أكثر شراسة؛ إذا ما بقيت القنوات السياسية مسدودة بوجه المصالحة الوطنية المقبولة من الجميع، فمن دون اختراق هذه الجبهة وفي ظل استعجال أميركي على تسليم المهمات الأمنية للحكومة العراقية، يبقى ضبط الأمن ووقف العنف، من الاحتمالات المشكوك فيها، فهذا ما تقوله تجربة السنوات القليلة الماضية في العراق.

في ضوء هذا الواقع ومعادلته الصعبة يقوم رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي حالياً بجولة خليجية؛ علّها تصب في العمل على حلحلة الأجواء السياسية.والأمر الأكثر سواداً على الجبهة الفلسطينية. إسرائيل تواصل تصعيد عدوانها القاتل والخانق على غزة. قطعت كل شيء عن القطاع. تركته تحت رحمة نيرانها الصاروخية والمدفعية والجوية. تكاد تهدد بحرب واسعة في المنطقة؛ من أجل استرداد أسيرها العسكري.

وواشنطن بدلاً من صب بعض الماء البارد على الوضع؛ تصب الزيت على ناره. كل يوم يصدر عنها تصريح، يزيد الطين بلة. في البداية زعمت أن لإسرائيل «الحق في الدفاع عن نفسها» وأمس رأت أن «المفتاح لحل الأزمة هو في إعادة الجندي المخطوف»، حسب التعبير الأميركي والإسرائيلي.

في ضوء هذا التأزيم المرشح لأن يتحول إلى كارثة في غزة، بادرت عواصم عربية فاعلة في السعي للعثور على صيغة تنزع فتيل المشكلة وتحول دون المزيد من تفاقمها، ولا شك هو جهد مطلوب ومشكور؛ بقدر ما هو إيجابي وضروري التحرك الحاصل على صعيد الوضع العراقي.

إن ما يجري ويدور على هاتين الساحتين، ناهيك عن الصومال والأجواء المحمومة في غيرها من بلدان المنطقة، تجاوز المألوف من التحديات، درجة الاستباحة والاستهداف ليست فقط غير اعتيادية، بل هي باتت تلامس نخاع العظم. وحالات من هذا النوع تستلزم مجمع أطباء بكل ما لديهم من مخزون المعالجة، طبيب واحد أو أطباء يعملون بصورة منفردة، لم يعد بالأمر الكافي. الحالة تتطلب عملاً جماعياً عربياً كبيراً.