و لا حس ولا خبر، بل صمت تام حول ذكرى ينبغي أن تحتفي بها الأمة كلها خاصة في هذه الأيام التي تداهمنا فيها التحديات من كل جانب، حتى أصبح وجودنا كعرب نفسه محل تساؤل!! ولا حس ولا خبر، بل صمت تام، وبعد أسابيع قليلة تكون قد مرت خمسون سنة على هذا اليوم الذي وقف فيه جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية وفي نفس المكان الذي كان قد شهد قبل عامين محاولة اغتياله،
ليعلن باسم الأمة «تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية» هذه الجملة التي دخلت التاريخ، ربما يقرأها البعض الآن ببساطة أو حتى باستخفاف، ولكنها في ذلك اليوم قبل خمسين سنة كانت تمثل الفارق بين عصرين.. ليس لمصر فقط، ولا للعرب، وإنما للعالم كله.
قبلها بأعوام قليلة كان رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق يقود حركة وطنية ويقدم على تأميم شركات البترول الأجنبية التي كانت تنهب البترول بأبخس الأسعار، ولكن العقاب كان سريعا: انقلاب دبرته أميركا وقضت على حركة مصدق وأعادت السلطة لشاه إيران، واستعادت السيطرة الأجنبية على البترول الإيراني ولكن مع دخول الشركات الأميركية لتصبح الشريك الأكبر مع الشركات البريطانية التي كانت تنفرد بالسيطرة على الثروة البترولية في إيران!
كان الدرس قاسياً ليكون عبرة للآخرين، وليتم ترتيب أوضاع المنطقة في غيبة شعوبها. ولكن ما لم يكن في الحسبان جاء من مصر مع ثورة يوليو 52 التي لم تنجح محاولات استئناسها وإدخالها في المنظومة الجديدة التي كان يجري أعدادها لتحكم المنطقة من خلال أحلاف عسكرية تربط المنطقة من تركيا إلى باكستان إلى إيران مع العواصم العربية التي تحررت اسميا والتي مازالت تحت الاحتلال، لتكون المنطقة كلها تحت نفوذ أميركا الوريث الجديد لقوى الاستعمار القديمة التي كانت مازالت موجودة في المنطقة (بريطانيا وفرنسا).
كانت مصر قد رفضت الانخراط في هذا المخطط، ولم تكتف بذلك بل أعلنت الحرب عليه، واستنهضت الأمة العربية لمقاومته، ودخلت المعركة ضد قوى الاستعمار لتحرير الأرض العربية من المحيط إلى الخليج. وعندما جاءت لحظة الصدام في مثل هذه الأيام قبل خمسين سنة، كان الوضع غاية في التعقيد..كانت جيوش الاحتلال البريطاني قد غادرت مصر قبل أسابيع فقط بعد ثمانين عاما من الاحتلال، تاركة وراءها أضخم قاعدة عسكرية في المنطقة.
ولكن الجيوش البريطانية كانت مازالت موجودة في الخليج، بينما جيوش فرنسا تخوض معركة ضد ثورة الجزائر المدعومة من مصر، وأميركا تخوض معركة سياسية ضد القاهرة التي كانت قد تجاوزت الخطوط الحمراء حين أبرمت أول صفقة سلاح مع الاتحاد السوفييتي (عن طريق تشيكوسلوفاكيا)
وكان الرد في النهاية هو قرار أميركي بسحب تمويل البنك الدولي لمشروع بناء السد العالي الذي كانت مصر تضع آمالاً كبيرة عليه. ولم تكتف أميركا بسحب تمويل المشروع، بل تعمدت أن يتم ذلك بطريقة تسيء لمصر، وبصورة تقول إن النظام الذي شق عصا الطاعة عليه أن يرحل.
تلقى عبدالناصر القرار الأميركي في الطائرة وهو عائد مع الزعيم الهندي الراحل نهرو من يوغوسلافيا حيث كان لقاؤهما مع الضلع الثالث في المثلث الذي وضع بصماته على مرحلة هامة من التاريخ (الرئيس اليوغوسلافي تيتو). وعاد عبدالناصر إلى القاهرة ليعلن بعد أيام قنبلته التي هزت العالم (تأميم قناة السويس). وربما فاجأ القرار الجميع، ولكن الوثائق تقول إن الموضوع كان محل دراسة منذ عام 53.
أعلن عبدالناصر القرار وانفجر شلال الحماس والفرح في مصر والعالم العربي، ولدى شعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، سواء منها من كان مازال تحت الاحتلال، أو من كان برهن النهب المنظم لثرواته.. حيث كان البترول والمعادن والمواد الخام تؤخذ ب(تراب الفلوس) لتستكمل بناء النهضة الصناعية لأوربا وأميركا على حساب الشعوب المقهورة.
وفي البداية كان الرهان على أن مصر ستفشل في إدارة القناة، وتم سحب المرشدين الأجانب بصورة مفاجئة، ولكن المؤامرة فشلت، لتبدأ المؤامرة الأكبر بين بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تسيطران على القناة وبين إسرائيل من اجل توجيه ضربة عسكرية لمصر وتحطيم جيشها واحتلال القناة وإعادة الهيمنة على مصر عسكريا وسياسيا.
كانت فرنسا تريد الانتقام من دور مصر في الجزائر، وكانت إنجلترا تريد تطويق دور مصر الذي يهدد وجودها في الخليج، وكانت إسرائيل تريد توجيه ضربة استباقية لمصر قبل أن تتمكن من بناء جيشها واستيعاب الأسلحة التي بدأت للتو الحصول عليها من الكتلة الشرقية. وهكذا التقت الأطراف الثلاثة وكان العدوان على مصر.
ولكن مصر سحبت قواتها من سيناء فحافظت عليها من التدمير، ونزلت القوات البريطانية والفرنسية في مدينة بورسعيد، وكان مقرراً أن تنتهي من احتلال كل مدن القناة خلال أقل من أسبوع، ولكنها قضت الأسبوع وهي تقاتل من أجل السيطر ة على بورسعيد.. تلك المدينة الصغيرة التي لم يكن بها جيوش بمعنى الكلمة بل فقط المقاومة الشعبية التي استبسلت في الدفاع عن مدينتها من بيت لبيت، ليسقط الآلاف من الشهداء وتحترق أحياء كاملة من المدينة..
ولكن جيوش الغزو لم تتمكن من السيطرة على المدينة إلا بعد أسبوع كان العالم خلالها قد أدرك حجم الجريمة التي ترتكب، وكانت المظاهرات تحاصر رئيسي الوزراء البريطاني والفرنسي، وكان مجلس الأمن يصدر قراراً بوقف إطلاق النار، وكانت موسكو تهدد بضرب لندن وباريس بالصواريخ، وكانت واشنطن تجبر حلفاءها على إنهاء مغامرتهم الفاشلة.
وفي النهاية رحلت القوات الغازية وانتصرت مصر، وعادت القناة لأصحابها، وتم بناء السد العالي، وأصبحت بورسعيد أنشودة لكل الشعوب المتطلعة للحرية، وكان تأميم القناة هو بداية لعملية واسعة انتهت فيها عملية النهب الاستعماري لثروات الشعوب، وقامت دول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية باستعادة السيطرة على ثرواتها وبدأت عملية تصحيح أسعار منتجاتها.
وتلازم ذلك مع تطور تاريخي في منطقتنا حيث وضعت معركة بورسعيد كلمة النهاية للإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية. وبدأت أعلام الاستقلال ترتفع من شمال إفريقيا إلى الخليج. بالنسبة لي ـ وقد كنت شاهداً من داخل بورسعيد نفسها على ما وقع ـ فإن القصة تتابع في الذاكرة في مشاهد لا تستطيع السنوات أن تمحوها.
مشهد المدينة الجميلة «بورسعيد» وهي تحت الإذلال المزدوج: إذلال الاحتلال حيث كان ثمانون ألف جندي بريطاني يرابطون على طول قناة السويس، وإذلال شركة قناة السويس الأجنبية التي كان القانون يجبرها على تشغيل نسبة صغيرة من المصريين، فكانت تنتقيهم ليعملوا في الأعمال الدنيا: عمال نظافة وصيانة.. الخ، بينما الوظائف الكبرى بكل مميزاتها للأجانب.
وبينما الحكومات المصرية تكتفي بمليون جنيه من الإيرادات، وبمنصب لعضو في مجلس الإدارة يحصل عليه أحد المحاسيب من أجل المرتب الكبير وبدون أي شراكة في الإدارة! مشهد البوارج البريطانية والفرنسية وهي تقترب من المدينة ثم تدكها على رؤوس أبنائها، بينما الطائرات الحربية تلقي على المدينة أطناناً من المساحيق سريعة الاشتعال ثم تعقبها بالقنابل فتتحول المدينة إلى جحيم من النيران التي لا تمنع المقاومة من أن تواصل القتال بينما جثث الشهداء تملأ الشوارع.
مشهد اليوم العظيم بعد أسابيع من الحياة تحت حصار الاحتلال والتجويع، مع مقاومة لم تتوقف. يجيء يوم 23 ديسمبر، ويخرج آخر جندي من جنود الغزو تحت جنح الظلام وتصحو المدينة وقد تحررت. والفرحة تخترق مسام الأجساد، والهواء نفسه أصبح مختلفاً، والسماء لا تتسع لمشاعر الفرحة وحجم النصر الذي تحقق.
مشهد مصر والعالم العربي في 23 ديسمبر من كل عام، وهي تحتفل باليوم العظيم، وتستعيد القدرة على أن تحلم وتحقق أحلامها. كان كل عام يحمل إنجازاً جديداً على الطريق. الجزائر تتحرر، أعلام الاستقلال ترتفع من عدن إلى الخليج، البترول العربي أصبح للعرب ولتقدمهم، الطريق صعب ولكن اجتيازه ممكن،وهذا هو الدرس العظيم مما جرى قبل خمسين سنة.
مشهد آخير.. توقفنا عن الاحتفال بيوم النصر في بورسعيد لأننا لم نعد نتعامل إلا مع الهزائم المتتالية، لم يعد رئيس الجمهورية يذهب للمدينة الصغيرة ليحتفل بأيام كنا قادرين فيها على تغيير مجرى التاريخ، يذهب الآن وزير من الدرجة الثالثة ليجلس مع بعض الموظفين وربما يشتري بعض المستلزمات من السوق الحرة المعفاة من الجمارك ثم يعود بسلامة الله!!
في آخر زيارة لي للمدينة اصطدمت مع بعض المسؤولين حين سمعت حديثاً عن إعادة تمثال النصاب ديلسبس الذي نسفته المقاومة الشعبية أثناء عدوان 56، ليحتل موقعه السابق في مدخل قناة السويس. إلى هذا الحد تسكن الهزيمة داخلنا، وإلي هذا الحد وأكثر نحتاج ـ وسط كل هذا الطوفان من التراجع العربي ـ لاستدعاء تاريخ لا نحتفي به كماض راح وانتهى، وإنما نحتفي بقدرتنا على صنع المعجزات حين نمتلك الإرادة الحرة ونمتلك معها القدرة على أن نحلم ونتحدى ونؤمن أننا ـ رغم كل شيء ـ قادرون على الانتصار.
نقيب الصحافيين المصريين
