لا ضير أحياناً في العودة إلى المسلمات التي تستدعي اللجوء إلى وسيلة المفاوضات بغية إيجاد حل سياسي لنزاع دائر بين أطراف متضاربة المصالح أو حتى متناحرة، فالإنسان يفترض أنه يميل بطبعه إلى السلم، مع التأكيد على أن عودة ميمونة بهذا الاتجاه لا تندرج في إطار أي من حالات الترف الفكري، الذي عادة ما يسمع صراخه في أروقة الصالونات المترفة، التي تكلست مآقي وقلوب وضمائر روادها حتى باتت تدعو إلى القرف والاشمئزاز،

و ذلك لأن جل ما يصبون إليه يصب حصرياً في الإحساس بدفء جيوبهم عندما تمتلئ هذه بأموال ما استحقوها إلا لأنهم أداروا ظهورهم لقضايا شعوبهم وداسوا على آلامها ودمائها ودمروا أحلامها بألاعيبهم القذرة، حين كرسوا أنفسهم لخدمة مصالح الأجنبي المستعمر والمستبد واللص، الذي راكم ما يكفي ويزيد من الخبرة لتدريب كلابه المحلية وضبطها على إيقاع مصالحه المادية الدنيئة البعيدة كل البعد عن أية مشاعر إنسانية.

العامل الذاتي لا يظهر في عالم السياسة إلا حين تنضج الظروف الموضوعية وتكتمل عناصرها ويحدث نوع من التكافؤ أو ما يعرف بالتوازن الاستراتيجي، على غرار ذلك التوازن الذي قامت على أساسه الحرب الباردة سنواتها الطوال والعجاف، أما العامل الذاتي، في معادلة من هذا النوع،

فإنه عادة ما يتجسد في قناعة تتوصل إليها شتى الأطراف المتنازعة وتفيد بأن ما يعتبر خطراً بالنسبة لأحد الطرفين إنما يعتبر خطراً على الطرف الآخر وهذا بالضبط ما أطلق عليه علماء السياسة مبدأ الردع المتبادل، الذي غذى الحرب الكونية الباردة من الناحية النظرية على أقل تقدير.

بالانتقال بهذه المعادلة السياسية البسيطة إلى حالة النزاع العربي- الصهيوني، يتبين بوضوح عدم توفر أي عامل من عوامل نضج الظروف الموضوعية غير المتوافرة أصلاً، فمنذ أن تم اغتصاب أرض فلسطين وشعبها والظروف كلها تصب في صالح الكيان الصهيوني أولاً وأخيراً

وذلك يطال كل ما يلزم أي قوة عدوانية من عناصر القوة الخارقة التي تكفل لها بقاء مشروعها سليماً معافى نابضاً بالحياة، طالما ثمة من يضمن استمرار وقوف عناصر القوة تلك على قدميها، فضلاً عن ما تنجبه حالة التفوق هذه من مشاعر الغطرسة والتجبر.

في المقابل، ثمة ضحية تثابر على صعيد دفع الغالي قبل الرخيص ثمناً لجبروت المغتصب وذلك لكي لا تجبرها الظروف على تقديم تنازلات تمس جوهر وجودها وتهدد مستقبل هذا الوجود، الأمر الذي يولد لديها رغبة عارمة ومشروعة في الرد والانتقام في محاولة منها لتثبيت هويتها الوطنية في مواجهة محاولات معادية محمومة تهدف إلى طمس معالم تلك الهوية وإذابتها في كيانات سياسية مصطنعة تنسجم في تركيبتها السياسية والوظيفية مع تركيبة الكيان الصهيوني المصطنع بدوره أيضاً.

أما تجربة خطف الجندي الإسرائيلي في عملية «الوهم المتبدد» الفلسطينية، فإنها دليل آخر على أن أي مفاوضات مع الكيان الصهيوني إنما تحتاج إلى نوع من ميزان القوى يرغم طرفي النزاع على الإصغاء لبعضهما ويحيلهما إلى طاولة المفاوضات، أي لا بد من توفر قوة ردع متبادلة قادرة على كبح جماح جبروت الطرف المتفوق، الممثل بالدولة العبرية،

التي راح قادتها يعدون للعشرة قبل اتخاذ قرارهم النهائي في الرد على العملية الفدائية الفلسطينية، التي تؤسس لمرحلة جديدة في التعامل بين طرفي النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي وتعيد القضية برمتها إلى مربعها الأول بأبعادها الجغرافية والديموغرافية الحقيقية

وتذكر من لا تسعفه الذاكرة بأن جوهر النزاع العربي ـ الصهيوني سياسي في المقام الأول وبأن الإجراءات والتدابير الأمنية غير قادرة على التقدم خطوة جديدة في سياسة الأمر الواقع التي تتبعها الدولة العبرية منذ تأسيسها وبأن هذه الدولة المارقة لن تقدم أي «تنازل» بمحض إرادتها ولن تتعاطى مع ملف التسوية بشكل جدي إلا مرغمة.