يوما بعد يوم يتضح للجميع أن منبع الخطرالكبير ليس في قوة المستكبرين الذين يواصلون عدوانهم على شعوب أمتنا دولة وراء دولة، مع فصل مسار كل دولة عن شقيقتها، ويشنون حروبهم عليها جبهة بعد جبهة، مع فصل كل جبهة عن جبهات الحرب الأخرى، وإن ما يجري الآن على مرأى من العالم كله وسط الصمت المريب والتواطؤ الرهيب من جرائم المجازر اليومية الإسرائيلية بالغارات الجوية ضد االمدنيين الآمنين،
والاغتيالات والاعتقالات للمقاومين والسياسيين والوزراء والبرلمانيين المنتخبين، وهدم الجسور والبيوت وتدمير البنى التحتية وحرمان الفلسطينيين من الماء والكهرباء بعد حرب التجويع لشعب أعزل، وحشد الدبابات وآلاف الجنود للعدوان الشامل على «غزة» والضفة الفلسطينية لاحتلالها من جديد، لهي جرائم حرب وحشية تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أبشع صور الإرهاب بتواطؤ وتخاذل دولي مهين.
إن شريط مشاهد الصورة المأساوية الحالية على الأرض الفلسطينية عموما وفي غزة خصوصا تختلط فيه المأساة بالملهاة والضوء بالظل والفخار بالعار في وقت واحد، ما يدفع العرب والدول الفاعلة فيهم شعوبا وحكاما إلى مضاعفة الأفعال لا الأقوال للقيام بواجباتهم ردعا للعدوان الشرير وانتصارا للشعب الفلسطيني الصامد، وما يلقي على ضمير العالم والدول المهيمنة عليه،
صاحبة الصوت العالي أمام صوت العرب الخافت في وجه إسرائيل ضجيجا بدعاوى حقوق الإنسان، أثقالا لا أتصور أن يقدر على تحمل عذاباتها إن استطاع أن يدرك حجم العذابات الإنسانية التي يعانيها مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني إن بقي له ضمير، ويضع المنظمات العالمية والعدالة الدولية أمام مسؤولياتها في اختبار صعب.
المأساة في الصورة تتمثل في حرب التجويع الدولية اللا إنسانية ضد الشعب الفلسطيني لأنه صدق دعاواهم الزائفة في الديمقراطية، وفي مئات الآلاف من العجائز بغير غذاء، والمرضى بغير دواء، والشهداء بغير قبور، والجرحى بدون شفاء، وكل البشر بلا ماء ولا كهرباء.
والملهاة في الصورة نابعة من محاولة تصوير أسر جندي من جنود الاحتلال المعتدين في معركة عسكرية، ومن الجيش الذي يمارس جرائم الاغتيال والاعتقال، باعتباره خطفا وإرهابا ، ويقيم الدنيا ولا يقعدها بالتهديدات العدوانية والمناشدات الدولية والعربية للإفراج عن عسكري صهيوني واحد! بينما آلاف المختطفين والمعتقلين والأسرى من المقاومين والمسالمين والوزراء والسياسيين والبرلمانيين المنتخبين، بينهم مئات الأطفال والنساء
من أبناء فلسطين من جانب جيش احتلال يواجه بتجاهل وصمت العالم بشكل مشين، بل إن رئيس أكبر وأقوى دولة في العالم، وحامية حمى تمثال الحرية وداعية حقوق الإنسان (الصهيوني فقط)، يصرح أن لإسرائيل حق الدفاع عن النفس بينما يغمض عينيه عن حقوق الفلسطينيين ليس للدفاع عن النفس فقط وإنما عن الأرض والعرض والحق في الحياة في وطن آمن وحر ومستقل مثل كل الشعوب!!
فهل قال لك الله جل في علاه أيضا- كما صرحت من قبل أمام زائريك- «اذهب يا جورج بعد العراق إلى فلسطين، قائدا للحملة الإنسانية الدولية لتجويع الفلسطينيين، وترويع الآمنين، وقتل المغتصبة أوطانهم من العرب والمسلمين، واعتقال البرلمانيين المنتخبين الديمقراطيين، وهزيمة الأشرار المظلومين ونصرة الأخيار الظالمين ؟!». وحاشا لله!
لكن يبقى أبرز ما في الصورة من ضوء برغم كل مافيها من صور الدم والموت والدمار، وقتل الحياة وتجريف الأشجار، هو صمود الشعب الفلسطيني فوق أرضه مقاوما للعدوان والاحتلال بكل الوسائل النضالية، القتالية والسياسية دفاعا عن النفس ودفاعا عن مقدسات العرب المسلمين والمسيحيين ضد الصهاينة الغاصبين، رافضا للاستسلام، ولكن شهداء معركة من أجل السلام.. السلام العادل وليس الاستسلام.
فأفيقوا أيها العرب والمسلمون، وتذكروا أن كل السيناريوهات في المنطقة مهما تعددت جبهاتها، واختلفت صورها، وتباعدت مواقعها فإنما، هي في النهاية أشكال لأوجه معركة واحدة تنبع من قضية واحدة وتصب في هدف واحد يستهدف تصفية أية مقاومة وطنية أو إقليمية لمحاولات ابتلاع فلسطين. و لكن حذار من أن ينسى أحد من العرب أو المسلمين، بأن الله لن يغفر، والتاريخ لن ينسى والشعوب لن تسمح بمهادنة ومداهنة الظالمين والتردد أو التخاذل في نصرة المظلومين.. لأن مصيرنا كله والأجيال القادمة سوف يتقرر بعد العراق في فلسطين.
mamdoh77t@hotmail.com