حكم أصدرته محكمة فرنسية أشعل غضبا في أقصى جنوب القارة الأفريقية، الحكم والمحاكمة ورد الفعل جميعها من بقايا خرائط استعمار قديم ترك بصمات وخيوطا وبقايا استيقظت كما تنهض العنقاء من الرماد. وقد نهضت العنقاء الفرنسية في جزر القمر لتجعل رمادها نارا لم ينجح حكم المحكمة الأخير في أن يمحو آثارها على نحو نهائي.
الحكم أصدرته محكمة فرنسية ضد مرتزق فرنسي شهير جدا حمل لقب «قرصان الجمهورية» هو بوب دينار الضابط الفرنسي الذي أسس جيشا من المرتزقة تحكم في الحياة السياسية في جزر القمر لعقود متواصلة فصبغها بالدم وجعلها تنام وتصحو على صوت الرصاص، وللرجل قصة تستحق أن تروى.
عدالة «وقف التنفيذ»
البداية ستكون من المشهد الأخير كما صورته وكالات الأنباء، حيث نقلت حالة غضب شهدتها جزر القمر عقب صدور حكم مخفف مع وقف التنفيذ ضد المرتزق الفرنسي بوب دينار الذي أطاح بحكومة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي أربع مرات. وأدانت محكمة فرنسية بوب دينار الذي يعاني الآن مرض الزهايمر فيما يتصل بدوره في الإطاحة بالرئيس سعيد محمد جوهر عام 1995 وحكمت عليه بالسجن خمسة أعوام مع وقف التنفيذ.
وقد كان المعارضون السياسيون الذين اعتقلوا خلال سيطرة دينار على القرار السياسي الأشد غضبا. فالمتهم في نظر المحكمة «مدان» بينما العقاب رمزي، وقد شهدت تلك الفترة حوادث اغتيال واختطاف كثيرة للمعارضين. وبالطبع امتد الغضب ليؤثر سلبا على صورة فرنسا كدولة تدعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان.
وعاش دينار وهو من بين اسوأ المرتزقة الفرنسيين سمعة حياة متنوعة وتتسم أحيانا بالعنف في جزر القمر منذ استقلال الجزر عن فرنسا عام 1975. وكانت جزر القمر الهدف المفضل لدينار الذي يتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عن عدم الاستقرار في الجزر التي لم تحظ بانتقال سلمي للسلطة خلال الثلاثين عاما التي مرت منذ الاستقلال.
وخدم دينار في سلاح مشاة البحرية الفرنسية في الهند الصينية في الخمسينات ثم التحق بقوات الشرطة الاستعمارية الفرنسية في المغرب وقاد في حياته الحافلة كمرتزق عصابات تتسم بالميل المفرط إلى العنف وتفتقر في كثير من الأحيان إلى الانضباط وتتألف من جنود أوروبيين سابقين في حروب في الكونغو ونيجيريا واليمن.
وقد ورث دينار عن والده الذي كان يخدم في الجيش حب العسكرية وكانت بدايته عام 1960 حين توجه إلى كاتانجا وقرر أن يتحول إلى مرتزق أو كما كان يطلق على نفسه (قرصان الجمهورية) حيث عمل في أفريقيا لحساب المخابرات الفرنسية حينا ولحسابه الخاص حينا آخر.
وارتبطت شهرة دينار بمغامراته المتكررة في جزر القمر إذ خلع أول رئيس للبلاد بعد الاستقلال وهو أحمد عبد الله عام 1975 ثم أعاده إلى السلطة بعد ذلك بثلاثة أعوام في انقلاب ثان وعلى مدى السنوات العشر التالية أدار دينار إمبراطورية اقتصادية مربحة في ظل حكومة عبد الله.
ولكن في اثنين من انقلابات دينار السابقة التي كان أحدها ضد عبد الله عام 1989 قتل الزعيم المخلوع في ظروف غامضة رغم أن محكمة فرنسية برأت دينار من قتل عبد الله عام 1999. وتدخل الجيش الفرنسي بعد شهر من الإطاحة بالرئيس جوهر في سبتمبر عام 1995 وألقى القبض على دينار وأتباعه من المرتزقة وقدمهم للمحاكمة.
والإطاحة «الناعمة» بالقرصان الفرنسي الشهير فتحت الباب لسيل من القصص غير المكتملة بل أحيانا الإشارات الغامضة التي تشير أكثر مما تكشف وتومئ أكثر مما تصرح ومن هذه الإشارات واحدة عثرت عليها في أرشيفي الشخصي وردت في حوار (القدس العربي 4 - 4 - 2002) أجراه القيادي الفلسطيني المعروف صقر أبو فخرو مع أنيس نقاش اللبناني الذي كان أحد المقربين من الإرهابي المعروف كارلوس،
في الحوار يروي أنيس نقاش كيف بدأت عمليات تسليح الأطراف اللبنانية قبيل الحرب الأهلية اللبنانية فيقول: «منذ ذلك الوقت بدأت عملية تسليح الأحزاب اليمينية اللبنانية وتدريب عناصرها». ويكمل: «وكانت الأسلحة تأتي إلى مرفأ جونية، وبعضها كان يصل بواسطة المهربين، وتورطت فلول من المرتزقة الفرنسيين في هذا الأمر»، وسئل أنيس نقاش: «مثل بوب دينار؟» فيجيب: «نعم، بوب دينار»، الرجل إذن ظاهرة دولية ووراءه تاريخ!
المحاكمة الأولى
المحاكمة الأولى للقرصان جرت عام 1999 أمام محكمة جنايات باريس وكانت تهمته فيها تدبير وتنفيذ خطة لاغتيال رئيس جزر القمر أحمد عبد الله ليلة 27 نوفمبر عام 1989 وحسب راديو باريس: «يصعب على أفضل كتاب السيناريوهات السينمائية في العالم تخيل سيناريو حياة شخص ما بمثل ما كانت عليه حياة بوب دينار على مدى 30 عاما مارس خلالها أنشطته في تدبير الانقلابات في شتى دول العالم من الهند الصينية إلى الكونغو ومن ناميبيا إلى بيافرا ومن كردستان إلى انغولا».
وفى عام 1975 قام دينار بأول عملية في جزر القمر التي استهواه سحرها وتزوج من واحدة من بناتها ثم قرر الإقامة في عاصمتها موروني عام 1978 حيث تولى منصب قائد حرس الرئاسة وظل لمدة 11 عاما الرجل القوي في الأرخبيل حتى اغتيال الرئيس احمد عبدالله في مكتبه مصابا بخمس طلقات في الصدر.
وتشير التحريات التي أجريت عقب حادث الاغتيال إلى أن الرئيس الراحل احمد عبد الله كان يفكر في التخلص من بوب دينار ومساعديه تحت ضغط المجتمع الدولي الذي اشترط حينذاك استبعادهم من الأرخبيل حتى يمكن زيادة حجم المعونات الاقتصادية لبلد وصل اقتصاده إلى حافة الكارثة.
وخوفا على ضياع مصالحهم في الجزيرة دبر دينار ومساعدوه خطة محكمة تقضي بإقناع الرئيس أحمد عبد الله بأن الجيش يخطط للقيام بانقلاب للإطاحة به وأنه ينبغي نزع أسلحته ثم قاموا في ليلة السابع والعشرين من عام 1989 بتدبير هجوم خادع بالأسلحة على مقر إقامة الرئيس لإقناعه بأن الجيش بدأ في عملية الإطاحة به مما أدى إلى اقتناع الرئيس الراحل بالخدعة وتوقيعه في الحال قرارا بنزع سلاح الجيش ليقوم بوب دينار ورجاله بعد ذلك بإطلاق الرصاص على الرئيس للإيهام بأن الجيش وراء حادث الاغتيال.
وقد استعادت فرنسا قرصانها وطويت صفحة من تاريخ جزر القمر وتاريخ الارتزاق العسكري كانت مليئة بالدم والدموع لكن الحكم الأخير فتح الصفحة وأثار مشاعر الضحايا، وفي كل الأحوال فإن أحدا لا يستطيع أن يتعاطف مع المرتزق الذي روع جزر القمر عقودا حتى بعد إصابته بالزهايمر، فذاكرة ضحاياه في جزر القمر لم يصبها شيء، وتركة الاستعمار الفرنسي ما زالت بعض جراحها طرية.
كاتب مصري