لم يكن غريبا أو مفاجئا ان تعلن وزارة الخارجية الاسرائيلية رفضها وبشكل قاطع -على حد قولها- لوثيقة الاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية وذلك بعد ان تبين ان الفلسطينيين استطاعوا التوصل الى توافق بينهم ــ خاصة بين فتح وحماس، على اعتماد هذه الوثيقة كأساس للعمل والتحرك خلال الفترة القادمة.
فخلال الفترة الماضية راهنت اسرائيل على الخلافات بين فتح وحماس، خاصة بعد ان بدأت بعض الممارسات الخاطئة في الظهور على السطح في العلاقة بين اكبر فصيلين فلسطينيين وهو ما كان يسعد حكومة اولمرت التي دفعت بشكل او بآخر نحو زيادة احتمالات الصراع الفلسطيني - الفلسطيني.
غير أن الوعي الفلسطيني استطاع بعد جهود حثيثة من جانب كل الاطراف ان يقطع الطريق على الانجرار الفلسطيني نحو هاوية الصراع والمصادمات الداخلية.
وعندما نجح الفلسطينيون في الاتفاق على وثيقة الاسرى، وهو نجاح تتمثل أهميته في أنه يمهد لتقوية ودعم الصف الفلسطيني من خلال اتاحة الفرصة للالتقاء حول نقاط اتفاق عديدة بشأن ما تضمنته وثيقة الاسرى، عادت اسرائيل الى محاولة عرقلة ذلك بشكل سافر من خلال الاعلان عن رفض الوثيقة واعتبارها أمرا يخص الفلسطينيين بالدرجة الأولى ولا يعنيها.
على اية حال فإنه من المهم في البداية الاشارة الى ان وثيقة الاسرى تحمل في صياغتها الاعتراف ليس فقط باسرائيل، ولكن ايضا بحل الدولتين. اي دولة فلسطينية في الاراضي المحتلة عام 1967 - الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية كجزء من الضفة الغربية وعاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة - هذا الى جانب التأكيد على العمل في اطار الشرعية الدولية والشرعية العربية التي تعبر عنها مبادرة السلام العربية والتي اكدت على الاعتراف باسرائيل عندما يتم التوصل الى سلام شامل مع الفلسطينيين.
وهذه النقاط تعد نقاطا إيجابية سواء بالنسبة للفلسطينيين او بالنسبة لاسرائيل كذلك غير ان حكومة اولمرت لا تريد الاقرار بذلك لسبب بسيط هو انها لا تريد على اي نحو ان تضع نفسها في موقف يمكن ان تترتب عليه التزامات ما من جانبها. ولذا فإنها سارعت الى رفض وثيقة الاسرى والايحاء بأنها تخدم حركة حماس واهدافها بالرغم من ان حركة حماس هي من عارضت وثيقة الاسرى في البداية وقد قبلت بها بعد الجهود التي بذلت ومن أجل الحفاظ على تماسك الصف الفلسطيني.
إن رفض اسرائيل السريع والعصي لوثيقة الاسرى ما هو إلا محاولة اسرائيلية مكشوفة لاحداث المزيد من التعقيدات على الساحة الفلسطينية، خاصة وانها تتزامن مع الجرائم التي ترتكبها اسرائيل وقواتها العسكرية ضد الابرياء من الاطفال والنساء والشباب الفلسطيني على مدى الايام الاخيرة بسبب اختطاف الجندي الاسرائيلي في عملية غزة التي جرت الايام الاخيرة.
ومع التأكيد على ان الممارسات الاسرائيلية العدوانية والتي تنتهك كل قواعد القانون والعرف الدوليين والمواثيق والمعاهدات الدولية تدفع في الواقع نحو مزيد من الاوضاع الخطرة والمأساوية داخل الاراضي الفلسطينية نظرا للاوضاع الحرجة التي يمر بها الفلسطينيون على امتداد الشهور الاخيرة، فإنه من المؤكد ان تلك الآثار السلبية لن تستمر محصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل انها قد تمتد الى داخل اسرائيل بشكل أو بآخر لأنه من غير الممكن ان تعيث اسرائيل فسادا في غزة والضفة الغربية وتتوقع ألا تكون هناك ردود فعل لذلك التدمير الواسع والممارسات الهمجية التي تقوم بها.
وإذا كان الفلسطينيون قد تمكنوا من تجاوز خلافاتهم حول وثيقة الاسرى، فإنه من المهم والضروري ان يبذلوا جهودا كبيرة ومكثفة لمواجهة الموقف الراهن في الاراضي الفلسطينية المحتلة والعمل على وقف العدوان الاسرائيلي بكل السبل الممكنة حتى لا تتمادى اسرائيل في عدوانها وتدميرها للبنية الاساسية الفلسطينية بذريعة اختطاف الجندي الاسرائيلي.