باستطاعة إسرائيل أن تخطف، وتقتل وتمارس أساليبها العديدة في التنكيل بالفلسطينيين، لكنها عجزت عن قتل إرادتهم، وحتى في ظل تفاعل أسر الجندي الإسرائيلي ومن خلال ذرائعها سلطت آلتها العسكرية لتدمير البنية التحتية، وتختطف أعضاء الحكومة والبرلمان الفلسطيني وللذكرى فإن فرنسا شهدت نفس المظاهر حين أقدمت على اختطاف حكومة المنفى الجزائرية، واضطرت لاحقاً الى إخراجهم والتفاوض معهم لتوقيع وثيقة انهاء الاحتلال.

وإسرائيل ليس أمامها إلا أن تدرك أن كل عملياتها تحولت إلى دروع وقاية ومناعة من أي خوف عند الطفل الفلسطيني، وستجبرها الأحداث على الالتقاء مع الفلسطينيين مهما كانت الأسباب..

فإشاعة الرعب وقهقهة الجنود الإسرائيليين، وهم يشهدون عائلة تفتش في انقاض بيتها عن بقايا طعام أو أثاث، سبق أن تعاملت أميركا ودول الاستعمار بنفس الطريقة، لكنها، أدركت في النهاية، أن الطريق للسلام لا يمر دائماً عبر البندقية والمدفع، وإنما من خلال الحوار، والكلمات التي ترقى إلى مستوى القرار والقانون..

الفلسطينيون ساروا في دروب التنظيمات العربية والعالمية، دخلوا الأحزاب الشيوعية وأنشأوا حركة القوميين العرب، وتنافسوا مع البعثيين، وتحالفوا مع منظمات عالمية سجلت حضوراً أقلق العالم، واختلفوا مع الأنظمة العربية، وشاركوا في حروب من داخلها، والدوافع مرارة ضياع وطن لابد من استرداده بكل الوسائل، ومع قلّة النجاحات وكثرة الإخفاقات، تحول النضال إلى الداخل في مجابهة طويلة مع إسرائيل على الأرض، وبأسلحة الحجارة، واقتناص الجنود، وضرب المواقع الحساسة.

إلا أن توازن القوة وعدم تعادلها بين الطرفين، إلى جانب التأييد المفتوح لكل ما تعمله إسرائيل، وتتخطى به القانون الدولي، جعل الغرب بشقيه الأميركي، والأوروبي يدعمان أي إجراء تتخذه إسرائيل، باعتباره حقا طبيعيا في الدفاع عن النفس.

وهنا جاء رد الفعل أكثر اتساعاً، إذ دفعت هذه المعارك شباناً مسلمين إلى التحول إلى جبهة التطرف، والاستعداد للتضحية، وتوسيع الدائرة إلى عمق القوى الكبرى، وقد يتعزز موقفهم بمشاهدة المناظر المتكررة في فلسطين، من خلال ذراع القوة العسكري، أو في العراق عندما يكون المشهد أكثر عنفاً..

لن تلغي هذه المجابهات إلا الاعتراف بالواقع، والذي نعنيه بأن تخرج أميركا من عقلية القوة التي لا تقهر، إلى فهم طبيعة الكرامة والتضحيات الكبرى عند الشعوب، وتدرك أن إسرائيل ليست جبهتها الأولى أمام مليار مسلم تتنامى كراهيتهم لها كل دقيقة..