لا حلول ممكنة للأزمة اللبنانية يمكن أن تأتي من خارج دائرة الحوار الوطني اللبناني ودعم من محيطه العربي، سواء من داخل قصر الإليزيه الفرنسي، أومن المكتب البيضاوي في البيت الأبيض الأميركي، فالذين يصنعون الأزمات بين القوى الوطنية والطوائف الدينية في لبنان، وبين لبنان وأشقائه العرب، وبين رئاسة لبنان الشرعية وحكومة لبنان الشرعية لا يمكن أن ترتجي منهم أية حلول.
فبعد الانسحاب السوري تواصلت الحملة الضاغطة ضد الأجهزة الأمنية اللبنانية والتي لم يثبت إدانتها حتى الآن، وبعد النجاح في إقصائها في إطار لجنة التحقيق الدولية التي تشكلت بقرار قدمته باريس وواشنطن إلى مجلس الأمن، تطورت الحملة الدولية والمعارضة الداخلية ضد رئاسة لحود سعيا إلى إقصائه هو الآخر لكنها فشلت حتى الآن شعبيا ودستوريا مما جعل «الحوار الوطني» يسلم ببقائه حتى نهاية مدته رئيسا للبنان.
لكن الموقف لدى باريس كان مختلفا، في النظر إلى سير الأمور في لبنان على عكس رياح الضغوط الدولية ، خصوصا مع فشلهم حتى الآن في تطبيق الشق اللبناني من القرار المثير للجدل الساعي إلى إقصاء لحود عن الرئاسة ونزع سلاح حزب الله وإخراج الفلسطينيين من لبنان.
ولدى الرئيس شيراك كان الموقف مغايرا، بسبب العلاقة الخاصة والصداقة الحميمة مع الشهيد الحريري، والذي استثمرها لصالح قضايا لبنان وسوريا والمقاومة اللبنانية والفلسطينية لدى باريس، وتحت تأثير الغضب من فقدان الصديق، والظن بمسؤولية ما للحود وسوريا انقلب حانقاً على الرئيس لحود بما يخالف الأعراف البروتوكولية، وحتى بما عرف عنه ك «جنتلمان فرنسي»!
وبدا ذلك جلياً في الأزمة المثارة حاليا بين بيروت وباريس بسبب التحريض الفرنسي للرئيس الروماني بتجاهل دعوة رئيس الجمهورية اللبنانية لحضور القمة الفرانكوفونية المقرر عقدها في «بوخارست»، وزيادة في إحداث الوقيعة بين الرئاسة والحكومة، تعلن باريس رسميا بصورة مخالفة للتقاليد الدولية وبما يمثل انتهاكا للسيادة اللبنانية أنه «تقرر تمثيل لبنان برئيس الحكومة اللبنانية في القمة» بما يعيد باريس إلى عهد الوصاية الفرنسية على لبنان !!
وانتفضت غالبية القوى الوطنية اللبنانية معارضة ومستقلة وموالية رفضا للموقف الفرنسي الغريب والمريب، وشمل الرفض شخصيات عرفت بمناهضتها لسوريا ومعارضتها للحود مثل الجنرال ميشيل عون، والرئيس أمين الجميل إلى جانب القوى المستقلة مثل الرئيس سليم الحص و المسيحية المارونية مثل البطرك نصرالله صفير والإسلامية السنية والشيعية مثل الرئيس عمر كرامي والشيخ حسن نصر الله.
ودار السجال حادا بين عموم الرافضين لهذا السلوك المهين والمؤيدين لشيراك التي تدعي أن الموقف الفرنسي طبيعي نظراً لأن القرار الدولي 1559 إياه يطعن في شرعية رئاسة لحود لمخالفته للدستور وتحت التهديد السوري، وبالغت إحداهن في اصطفافها إلى الجانب الفرنسي ضد رئيس الجمهورية اللبنانية قائلة «إن عدم دعوة لحود هو انتصار للجمهورية وللحرية وللاستقلال والديمقراطية » !!
بينما وصل الأمر ببعض الرموز الوطنية اللبنانية المستنكرة للموقف الفرنسي إلى الاعتصام أمام المجلس الدستوري اللبناني، وسط دعوات غاضبة تطالب بمقاطعة لبنان الفرانكوفونية وتدعو الرئيس السنيورة احتراما لهيبة رئاسة جمهورية لبنان ولوطنية رئاسة حكومة لبنان لرفض هذه الدعوة المشبوهة، مما دفع «السنيورة » إلى الإعلان عن عزمه على عدم الحضور شخصياً.
والعجيب أنه بينما يدور السجال حادا في لبنان رفضا للموقف الفرنسي يتقاطر البعض لزيارة باريس ودعوتها «لمساعدة لبنان» ويعودوا دون تراجع أو اعتذار يخفف الاحتقان الطائفي حول هذا الأمر، ونسي هؤلاء أن فرنسا هي المسؤولة عن تكريس الطائفية «بالميثاق اللبناني» الذي وضعته في عهد الانتداب عام 43 والذي جاء «ميثاق الطائف» محاولة لتصحيحه بما يحقق الوحدة الوطنية اللبنانية لكن الطائفية هي التي عطلت تنفيذه.
فهل نستعين بفرنسا على فرنسا؟