تعيدني الأحداث التي تدور في الصومال وغيرها من الدول الإفريقية إلى كتاب - صار كلاسيكياً في الكتابات الإفريقية - للخبير الزراعي والاشتراكي الإنساني الفرنسي رينيه ديمون، عنوانه البداية الخاطئة في افريقيا. وأرجع باستمرار لاختبار مدى صحة نبوءة ديمون والذي تعرض آنذاك لهجوم واتهام بالاستعمارية رغم تعاطفه المعروف مع حركات التحرر الوطني.

والآن، هل كان استقلال الصومال بداية أو انطلاقة خاطئة أو زائفة؟ بالتأكيد كان الاستقلال تطوراً تاريخياً حتمياً حتى بالنسبة للاستعمار القديم الذي انقضت مرحلته التاريخية. وكان لابد أن يدخل مع مستعمراته السابقة في علاقات استغلال وتبعية جديدتين هي التي ميزت حقبة الامبريالية أو الاستعمار الجديد. وكان على الدول المستقلة حديثاً أن تختار طريقاً ما في هذه المرحلة.

كان يمكن للصومال التي تميزت بالتجانس لحد ما أن تؤسس دولة وطنية، ولكن الانقسامات القبلية والعشائرية تفاقمت لتمثل حواجز تعرقل الاندماج الوطني. وقبل ذلك، كان وقوع الصومال في قبضة نظام عسكري شمولي حاول أن يستفيد في انتهازية واضحة من تناقضات الحرب الباردة وصراع المعسكرين: الرأسمالي والاشتراكي.

فقد انحاز الجنرال سياد بري إلى المعسكر الاشتراكي لأن جارته أثيوبيا كانت تميل إلى الغرب (تحولت هي أيضاً لاحقاً إلى الاشتراكية) وتعتبر موقعاً استراتيجياً في القرن الافريقي ولذلك حازت على المساعدات الأميركية الاقتصادية والعسكرية. وكان بري مزايداً من الدرجة الأولى إذ لم يكفيه أن يُعتبر من القادة الثوريين أو أن يكون متبنياً للاشتراكية الإفريقية أو العربية.

فقد أعلن أن الصومال تنتهج طريق الاشتراكية الماركسية - اللينينية. وقد كان في الحقيقة يبحث عن مبررات لإسكات أي صوت معارض ومخالف. وقد عاشت الصومال القمع والجوع معاً، إذ كانت خطة التنمية فاشلة وفتحت الباب للفساد. سقط نظام سياد بري (1970 - 1991) بعد أن أمم العمل السياسي لفترة كانت كفيلة بإضعاف وتهميش القوى السياسية.

فقد منعت الأحزاب لحساب الحزب الرسمي الواحد والذي غالباً ما يجمع عناصر تستغل دور الدولة في الاقتصاد لكي تظهر كفئة أو طبقة فاسدة وطفيلية. ولا يستمر مثل هذا النظام إلا من خلال أجهزة الأمن والقمع. ويعجز عن اكتساب شرعية شعبية. وفي نفس الوقت يزداد ابتعاد الجماهير عن العمل السياسي المُكلَف.

ومن هنا بدأت الأزمة الصومالية إذ ارتدت الجماهير الصومالية إلى الانتماءات القبلية والعشائرية والتي صارت أكثر قوة مع غياب الأحزاب والنقابات. ومع ابتعاد الصوماليين عن الحوار السلمي والنقاش الفكري، كان من الطبيعي أن يحل العنف محل التفاهم والاختلاف الودي. إذ لا توجد منابر ولا صحف سياسية، وكان الفراغ السياسي مهولاً ولابد أن يملأ. ومن هنا أتت العودة إلى القبلية وقد صاحب ذلك العودة إلى الدين أيضاً.

تزامنت تلك الحقبة مع آثار الفورة النفطية وصعود التيارات الأصولية والسلفية ثم سقوط المعسكر الشرقي مع بداية تسعينات القرن الماضي. وقد هاجر الصوماليون بالآلاف إلى بلدان عربية إسلامية وتأثرت الجاليات الصومالية بالمناخ العام لازدهار الأصولية وفي المهاجر البعيدة - أميركا وكندا وأستراليا وأوروبا الغربية - تحصن الصوماليون ضد الثقافة الغربية بتقوية انتماءاتهم إلى الجماعات الإسلامية المختلفة.

ازدادت الأزمة الصومالية تعقيداً مع إهمال المجتمع الدولي للصومال عقب الكارثة التي تعرض لها التدخل الأممي وقادت الولايات المتحدة الأميركية عملية الانسحاب منذ عشر سنوات. وتركت الصومال لمصيرها وصارت تعامل كنموذج مثالي في العلوم السياسية لما يسمى: الدولة الفاشلة. وكتب البعض عن «استقرار» الصومال بلا دولة وكان دليلهم التبادلات التجارية وحراسة بعض المطارات وضمان حركة البضائع مثل تصدير الموز واللحوم. و

كان من الممكن أن يهمل ذلك الشعب الفقير العنيف حتى يفنى أو يعقل ويقرر وقف الاقتتال بنفسه دون تدخل. ولكن ما يسمى بالحرب على الإرهاب وتداعيات ما بعد 11/9 جعلت من الصعب ترك بعض المناطق والدول غير مملوكة لأحد أو لا تسيطر عليها قوة مسؤولة. فهي تتهم بأنها مأوى آمن لتنظيم القاعدة. ومن هنا يأتي اهتمام العالم وبالذات أميركا بمثل هذه الدول غير المعقولة والتي لا تدرك صالحها ومصالحها.

عم تفاؤل غير حذر حين تشكلت حكومة وطنية في الصومال رغم الصعوبات. وكان الاتجاه نحو تهيئة الظروف الأمنية لكي تتسلم الحكومة الجديدة السلطة وتدير البلاد. وفجأة اندلع القتال بين قوات المحاكم الشرعية والتحالف ضد الإرهاب. وتراجع الأمل في عودة الحكومة الجديدة إلى الصومال.

واستطاعت قوات المحاكم الشرعية أن تحسم الوضع عسكرياً لكي يتعقد الأمر. هناك حكومة تمتلك شرعية إجماع وطني ورغبة في الاستقرار، وفي نفس الوقت ظهرت قوة تمتلك شرعية السيطرة العسكرية والوعد بالاستقرار. وبدأت الصومال في مفترق طرق هل يسعى الصوماليون إلى دولة حديثة وهل الديمقراطية من طموحاتهم؟

أم في اللحظة الراهنة الأولوية للأمن حتى لو أتى عن طريق الرعب والخوف؟ يلاحظ أن المحاكم الشرعية لم تتحول إلى قوة سياسية وبالتالي لم تطلق على نفسها تسمية الحركة الإسلامية أو الحزب الإسلامي. واختصرت مهمتها في الدور المتوقع للمحاكم الشرعية في بلد تعم فيه الفوضى.

ونتذكر كيف كسبت طالبان التأييد في البداية لأنها تحكمت في الشارع ونظمت الحياة اليومية باستخدام العنف والعسف. ولكن لم يحتج غالبية الأفغان بسبب انتهاك حقوق الإنسان. والآن نلاحظ في أجهزة الإعلام تأييد الكثير من الصوماليين للمحاكم الشرعية ونسي الصوماليون الحكومة التي تم اختيارها قبل شهور قليلة. ولكنها عجزت عن الدخول إلى مقديشو.

هذا شكل لصراع الحضارات أي اختلاف الأولويات. ولكن هل يمكن القول وتحت دعوى احترام الخصوصية ألا يتدخل العالم في الصومال وليترك لهم تقرير مصيرهم مهما كان الثمن لكي يكون الاختيار ملكهم. كنت أتمنى ذلك ولكن الحسابات الإستراتيجية التي ترتدي أقنعة إنسانية لن تترك الصوماليين.

-- د. حيدر إبراهيم علي -- كاتب سوداني