جميل أن يمدح الإنسان بما هو أهل له، والأجمل أن تطرى إنجازاته المفيدة للوطن والمواطن، فتصبح مضرب المثل، يلهج بها القلب واللسان، وتتناقلها الأماكن والأزمان، وعندي أن الإنسان الذي يهش ويبش للمدح والإطراء عليه أن يتصرف على النحو ذاته عندما يُنقدُ نقداً بناء حتى يرى سوياً!
غير أن البعض يضيق ذرعاً بالكلمة الناقدة مهما صغرت، وبذلك يكشف عن نرجسية ضاربة بأطنابها في أعماق سريرته. هذا الضرب من البشر جُبلَ على المغالطة وعكس الحقائق، وتسمية الأشياء بغير أسمائها، وهو في هذه الحالة النشاز يعيش قرير العين، مطمئنَ البالَ! لا يشعر بالريح أهبَّت من اليمين أم من الشمال! لقد درج على إيهام نفسه بأنه فوق الغلط والنقد، أصاب الكمال.... فالنقص في جنابه من المحال؟! أجل:
تحلو الحياةُ لجاهل أو غافل
عمّا مضى منها وما يتوقَّعُ
ولمن يغالطُ في الحقائق نفسَهُ
ويسُومُها سومَ المحالِ فتطمع
إنه إنسان يحمله الإطراء الكاذب الصَّفيق على تصديق النفس الأمَّارة بالسوء، فيترسَّخ فيه الشعور بالأثَرة، وبأن المسؤولية التي تسنم سنامها لم تخلق إلا له، وينسى أنها لو دامت لغيره لما آلت إليه!
أتينا إلى الدنيا فلو عاش غيُرنا
مُنِعْنَا بها من جَيْئةٍ وذهوبِ
تملَّكها الآتي تَملَّك سَالب
وفارقها الماضي فِراقَ سَليب
إن النقد متنوع الأشكال والألوان، فهناك النقد الفني والأدبي والاقتصادي والسياسي إلخ...، ونحن اليوم لن نخرج عن(نقد المسؤولية)، إنه الوسيلة المُثلى لتصحيح خطأ وقع، والتحذير من خطأ سيقع، أو قد يقع! ولأن خطأ المسؤولية لن يقتصر على المضطلع بها بل قد يتعداه إلى المصلحة العامة، لذلك وجب على من يُكلَّفُ مسؤولية عامة بوجه الخصوص قبول النقد بصدر رحب، وروح رياضية، بعيدة عن الأحقاد والأضغان، فالنقدُ حقٌ يرتقي إلى فرض عين، يمارسه المجتمع إزاء من يضطلع بمسؤولية خدمته في سائر القطاعات.
إن المسؤولية أي مسؤولية، تقتضي التزام الروية والحكمة والحلم، فإذا ما كانت الحرب مشتقة المعنى من الحَرَب، والظلم من الظلمة، والحق من الحقيقة، فالمسؤولية تشتق معناها من المساءلة ـ أي الحساب ـ وهذا يعني قانوناً: أن مسؤولاً إذا ارتكب خطأ فلا بد من التحقيق فيما ارتكب، وهل جاء الخطأ سهواً أم جاء عمداً، رغم أن القاعدة تقول: إن الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة، ولما كان الإنسان هو ابن النسيان، وهو بهذه الصفة عرضة لارتكاب الخطأ في أي وقت، وجل من لا يخطئ! فلا بد من وجود النقد والناقد، شريطة أن تكون الحيادية هي القاعدة التي يرتكز عليها العمل النقدي.
حدثت لدينا خلال العقود الماضية بعض الأخطاء، وهي تتزايد نتيجة التسارع المطرد في العملية التنموية، هذه الأخطاء هي اليوم في حاجة إلى معالجة ـ أي في حاجة إلى ناقد فاحص أولاً ـ ثم إلى وضع الحلول لها، لكن لا أحد على ما يبدو مستعد لهذه المهمة لأكثر من سبب،
وأول الأسباب الخوف من الوهم الذي يولده المناخ الضبابي، حيث تنعدم الرؤية التي تحدد أبعاد العمل! وإذا ما بقي هذا المناخ هو المخيم فإن استفحال الأخطاء وازديادها سيؤدي في يوم من الأيام إلى وهن الهيئة الاجتماعية، وربما التهاوي إلى حد يصبح فيه المنقذ في حاجة إلى منقذ!! إن الشجاعة صفة محمودة وكذلك الكرم وقديماً قال الشاعر:
لولا المشقة ساد الناس كلهم
الجود يفقر والإقدام قتال
ونحن في الألفية الثالثة لا نحتاج إلى الشجاعة التي ذهب إليها الشاعر، شجاعة الفرسان في سوح الكر والطعان، ما نحتاج إليه هو موقف شجاع من القضايا المقلقة، والآخذة في التفاقم، خاصة وأن بوادر الخطر أخذت تطل بوجهها الدميم، فهل نجعلها تخيم على حياتنا لتحيلها إلى مخاوف ومحاذير ترهقنا في البحث عن وضع نهاية لها، حيث لا وضع ولا نهاية؟
ما الذي سيخسره سيادة المسؤول عندما ينقد، أليس من الصواب أن يقال له: انتبه إنك قد تخطئ، قبل أن يقال له: أنت أخطأت وعليك تحمل المسؤولية بكل تبعاتها؟ لماذا لا يعتبر النقد (نصيحة)؟ لقد كان العرب يتغنون بالنصيحة فيقولون (تبقى النصيحة بجمل عند العرب وذمام) أي ذمة، والذمة لا تسكن إلا الضمير الحي!
ليس عيباً حدوث الخطأ مهما كبر أو صغر، إن العيب كل العيب يكمن في ارتهان مرتكبه به، وفي إصراره عليه، بحيث يصبح عبداً له لا سيداً قادراً على تصحيحه إذا وقع، وتفاديه قدر الإمكان قبل أن يقع. أما العيب الذي يرقى إلى مستوى الإثم فهو الاستبداد بالرأي، حينما يصم المسؤول أذنيه عن سماع النصيحة، وبالتالي يرفض النقد حتى بعد ارتكابه الخطأ، فيا ليت المسؤول يستجمع شيئاً من الشجاعة المعنوية فيصغي إلى منطق العقل وهو يقول:
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
فإن الخوافي قوة للقوادم
-- محمد خليفة بن حاضر -- كاتب إماراتي