العدوان الإسرائيلي الواسع على غزة أثار ردود فعل عربية ودولية تراوحت بين الإدانة وبين التحفظ ـ ضمناً الاستياء ـ في أحسن الحالات.

وحدها واشنطن، جرياً على العادة وحفاظاً على التقليد، أبدت تأييدها لانفلات الآلة العسكرية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني. الذريعة: كالعادة أيضاً: أن لإسرائيل «الحق في الدفاع عن نفسها».

ترجمة ذلك، عملياً، أن للكيان الصهيوني الحق في العدوان وارتكاب المجازر واختطاف الوزراء والبرلمانيين الشرعيين، رغم أنه في قواميس الأرض والتاريخ كافة، ما كان للاحتلال مرة أي حق. الحق كان دوماً لمقاومة الاحتلال. وهو ردّ فعل مطلوب ومتعارف عليه في سائر المواثيق والقوانين والأعراف، الدولية المعمول بها.

أن الواقع تحت الاحتلال له كل الحق في مواجهة هذا الاحتلال بكل السبل المشروعة والتي يمكن الوصول إليها، من أجل إنهاء الاحتلال والتخلص منه، خاصة في زماننا الراهن، حيث لم يعد للاحتلال أثر على وجه البسيطة، إلا في منطقتنا، حيث إسرائيل تحتل فلسطين وأميركا تحتل العراق.

في السابق عندما كانت تحصل عمليات انتحارية داخل إسرائيل كانت الاعتراضات والإدانات تنهمر على الفلسطينيين من كل حدب وصوب. الحجة أن قتل المدنيين لا يجوز. وكان بالتالي التعاطف يتدفق على إسرائيل باعتبار أنها الطرف المستهدف بطريقة غير مقبولة.

وعلى اعتبار أن العمليات كانت تجري خارج الأراضي المحتلة عام 1967. مثل هذا الاعتراض على الأسلوب مفهوم. ولو أنه يتجاهل الأسباب والخلفية. العالم لا يقبل قتل المدنيين. قاعدة مطلوب التقيّد بها، بقدر الحاجة إلى تعميمها ووقف الكيل بمكيالين.

لكن ما حصل قبل أيام لم يكن من هذا الصنف. العملية الفلسطينية التي أدت إلى مقتل جنديين إسرائيليين وأسر ثالث، وقعت ضد موقع عسكري احتلالي وداخل أراضي 1967. مع ذلك قامت الدنيا ولم تقعد، ضغوط ومطالبات واجتياحات، لاستعادة الأسير!

إعادته إلى إسرائيل شغل الدنيا. وواشنطن منحت تل أبيب الغطاء والحماية اللازمين في عدوانها على غزة والبدء في تدمير بنيتها التحتية، وتشديد الحصار عليها والذي وصل إلى حدّ قطع التيار الكهربائي عنها.

والعملية لا تزال جارية وبوتيرة متصاعدة. بل إن هناك كلاماً وتلميحات وتحركات وتهديدات مبطّنة، تشير إلى وجود نيّة إسرائيلية باحتمال توسيع رقعة العمليات العسكرية، خارج الأراضي الفلسطينية. وكأن اندلاع حرب طويلة عريضة، لاسترجاع أسير، بات وارداً في الحسابات الإسرائيلية. وهنا تأتي خطورة منح الدعم والتأييد والتشجيع الأميركي لإسرائيل.

إن بعض التوازن ضروري، بل لا غنى عنه، في مثل هذه الحالات. فأن تطلق يد حكومة أولمرت على مداها بسبب أسير، في حين لا يأتي أحد على سيرة آلاف الأسرى الفلسطينيين الموقوفين منذ شهور وسنين، ومعظمهم من دون تهم ولا محاكمة، مسألة تعكس وجود خلل فادح لا يخدم قضية السلام في المنطقة.

والاستمرار في مثل هذا التعاطي لا يؤدي سوى إلى صب الزيت على النار. وهو ما لا يخدم أحداً ولا يساهم إلا في زيادة التأزيم الذي لن يكون أبداً في صالح إسرائيل التي تلعب الآن هذه اللعبة المدمرة بمباركة أميركية عمياء.