أصدرت لجنة الحريات الصحافية باتحاد الصحافيين العرب تقريرها السنوي عن وضع الحريات الصحافية في الوطن العربي، وهو تقرير يُعَدُّ الأول من نوعه حسب علمي. فهذا الاتحاد العتيد الذي مضى على تأسيسه ما يقرب من نصف قرن قد ضم النقابات الصحافية الرسمية وشبه الرسمية، وكان في الغالب الأعم يراعي الأوضاع السياسية في الأنظمة العربية وعلاقاتها بالمركز: مصر- العراق.
ورغم أن قيادات صحافية ديمقراطية تعاقبت على قيادة الاتحاد: كامل زهيري، وأحمد بهاء الدين، وأخيراً الأمين العام صلاح الدين حافظ- إلا أن طبيعة النقابات الصحافية العربية وهيمنة دولة المركز قد حدت من فاعلية الاتحاد وتصديه للدفاع عن الحريات.
وحتى عندما انتقل الاتحاد إلى العراق عقب توقيع مصر اتفاقات «كامب ديفيد» عام 1978م؛ فقد وجدت عناصر قيادية أمثال سامي المنيس (نائب الرئيس ورئيس لجنة الحريات)، وسجاد الغازي، والشهيد حنا مقبل الأمين العام للاتحاد، والمساري العربي.
ومع ذلك فإن سقف الحريات الصحافية كان منخفضاً لسبب بسيط وواضح وهو غياب الحريات العامة والديمقراطية التي تعتبر الحريات الصحافية تجليا من أهم تجلياتها، إضافةً إلى الطبيعة الرسمية لمعظم هذه النقابات.
في التقرير الْمُنَّوه به والحافل بالاستبيانات المتعلقة بتجميع المعلومات عن الهيئة الصحافية وعدد المنتسبين إليها وارتباطها بالاتحاد وعن التشريعات الصحافية والعقوبات والمحظورات المنصوص عليها والتجاوزات ضد الصحافيين ، والواقع أن التقرير جهد رائع رغم المآخذ العديدة عليه فهو لا يقوم بقراءة عميقة وواقعية للقيود الراعبة التي تفرضها الحكومات الشمولية العربية كما أنه لا يرصد بدقة التجاوزات الخارجة على الدساتير والقوانين في هذه البلدان.
ولعل نقطة الضعف الخطيرة في تقرير الاتحاد كون النقباء والنقابات والجمعيات الصحافية هي المرجع الأهم للتقرير. وحقاً فإن التقرير خطوة مهمة على طريق دمقرطة الاتحاد، واهتمام لجنة الحريات بقضايا الحريات الصحافية.
اللافت أن مقدمة التقرير قد أشارت إلى ما يشبه الاضطرار لركوب أسنة الدفاع عن الحريات الصحافية. النص: «وإنما القصد -كل القصد- هو إظهار الحقائق بقصد المكاشفة والشفافية بفكر عربي حر وبأقلام عربية مخلصة لأمتها ولمهنة الصحافة.
وفي وضع دولي وعالمي طغت عليه أساليب العولمة والانفتاح والسماوات المفتوحة بشكل لم نعد فيه قادرين إلا على قول الحقيقة وإظهارها كاملة أمام الرأي العام العربي؛ ولهذا كله ساهمت النقابات والاتحادات وجمعيات الصحافة العربية في إعداد هذا التقرير».
إن القصر والحصر في قول التقرير: «لم نعد فيه قادرين إلا على قول الحقيقة» فيه ما يكفي لتأكيد (مرغمٌ أخاك لا بطل) ليكن! فإن ترغم الأذرع المدنية للأنظمة الاستبدادية أو هيئات التأثير والهيمنة السياسية حسب «غرامشي» على قول الحقيقة فذلك تطور مهم.
ولاشك أن جهداً طيباً ورائعا قد بُذِلَ في إعداد الاستبيان وفي تتبع الحقائق وترسمها، وفي قراءة ما تحتويه أوراق الاستبيان رغم نواقص التجربة الأولى إلا أن الأمر الأكثر حيوية وأثراً هو التصنيف الذي خلص إليه التقرير فقد احتلت العراق -المحتلة- المرتبة الأولى في القمع.
كثيرون لن يقبلوا بجعل العراق البلد رقم (1) في قمع الحريات الصحافية؛ فهناك المئات من الإصدارات الصحافية والقنوات الفضائية وحرية الرأي والتعبير في ظل الاحتلال الأنجلوأميركي الدموي والفاشي أفضل بما لا يقارن بنظام صدام حسين. وقد أقام الاستبيان غير المكتمل طبعاً -كما يشير- إلى حرية الصحافيين وحرية الصحافة والعلاقة بالدولة وشكل الرقابة. والأمر يثير أكثر من التباس وعلامة استفهام.
صحيح أن العراق قد شهد مجازر ضد الصحافيين وضربت مقار لقنوات الجزيرة، والعربية، وأبوظبي. ولا تزال الجزيرة ممنوعة من دخول العراق، وقتل العديد من الصحافيين. ولكن الاستبيان لم يجعل القتل -على بشاعته- معياراً للتقويم.
جعل العراق البلد الأول في قمع الحرية واليمن الدولة الثانية والجزائر الثالثة حسب البيان يثير أكثر من التباس صحيح أن اليمن كالجزائر دولتان تشهدان تراجعاً فاجعاً في الحريات الصحافية وفيهما ممارسات قامعة لا تخفى ولكن هل هما أسوأ من تونس أو الصومال أو موريتانيا.
كما أنَّ وضع لبنان والكويت والأردن في أوليات دول حرية الرأي والتعبير ليس دقيقاً بأي معنى.
لقد وضع التقرير بعض المبررات بعضها متعلق بغياب تنظيمات نقابية صحافية في بعض البلدان وعدم تعبئة الاستمارات في البعض الآخر ومهما يكن فإن التقرير جهد رائع ويستحق أكثر من تحية.