ثمة جدل واسع في القارة الأوروبية يدور حول صعوبة دمج المهاجرين المسلمين في أوروبا. ويأتي الجدل من كافة المواقع.. من أقصى حركات اليمين مروراً بالليبراليين وانتهاء باليسار، من متعاطفين مع أوضاعهم المعيشية وندرة الفرص المتاحة لهم إلى مهاجمين لكل ما هو إسلامي.
لذلك لم أفاجأ عندما خصصت مجلة (الإيكونومست) الرصينة في عددها الأخير موضوعها الرئيسي حول انتشار المسلمين في أوروبا و ازدياد أعدادهم بدرجة تثير تخوف الاتحاد الأوروبي.
كنت أتابع الموضوع و أقارن بين ما يجري هناك ومدى الجدية في وضع حلول للمشكلة وبين تجاهلنا لوضع أشد خطورة في الخليج بالنسبة للزيادة المضطردة في أعداد العمالة الأجنبية. تطلق الإيكونومست اسم (أورويبيا) على أوروبا بسبب تكاثر العرب والمسلمين في نسيجها السكاني.
هذا الاسم يخيف الأوروبيين الذين ذاقوا الإرهاب بأشكاله في السنوات القليلة الماضية مثل تفجير محطة القطارات في مدريد و المترو في لندن و كذلك المظاهرات التي عمت فرنسا و قام بها سكان الضواحي الشباب و غالبيتهم من شمال إفريقيا واستعمل فيها الحرق و التدمير، ثم اغتيال ثيو فان جوخ المخرج الهولندي وغيرها من الحوادث المشابهة.
إن الخوف من لندنستان، كما يطلق على تلك الظاهرة، قد ساعد اليمين الأوروبي الذي يستعمل ورقة الإرهاب الإسلامي ليكسب التأييد و يفوز في الانتخابات، ويقابل هذا التشدد أصوات تنادي بدمج المسلمين في المجتمع. بينما المسلمون الأوروبيون أيضاً منشقون بين جيلهم و جيل آبائهم على أمور كثيرة أهمها تساؤلهم حول أهمية التجديد في الإسلام كي يتناسب مع الحياة الأوروبية.
فأعداد المسلمين تبلغ 20 مليون أو ما نسبته 4% من مواطني الاتحاد الأوروبي، و لكن لو انضمت تركيا (71 مليون نسمة) إلى الاتحاد فسيصل عدد المسلمين إلى 17% من المجموع، إلا أن انضمام تركيا لن يحدث في السنوات القليلة القادمة بل سوف ينتظر سنوات و ربما عقوداً.
ولا يخفى أن معدلات الإنجاب الأوروبية أدنى بكثير من مثيلتها لدى المسلمين و ذلك ما سيرفع أعداد مسلمي أوروبا عام 2025 إلى 10%. إلى جانب ذلك فإن مسلمي أوروبا مختلفون إلى حد بعيد إذ نجد في انجلترا مثلاً غالبية من جنوب آسيا وفي فرنسا معظمهم من شمال إفريقيا أما ألمانيا فمعظمهم أتراك.
إن دمج المسلمين في تلك المجتمعات يزداد صعوبة و لكن الاستطلاعات تعكس حقيقة مهمة و هي أن معظم السجناء في السجون الفرنسية ينحدرون من أصول شمال إفريقية وربع الشابات المسلمات متزوجات من غير المسلمين، و كذلك تكتظ الجامعات البريطانية بالكثير من الطلاب المسلمين، بل ينضم الكثير منهم إلى حزب المحافظين.
إن التجربة الإسلامية الأوروبية تختلف عن مثيلتها في الولايات المتحدة حيث يحصل المهاجرون إليها على وظائف بسهولة و لكن يصعب عليهم الانضمام إلى نظام الرعاية الاجتماعية بينما العكس يحدث في أوروبا.
إن عملية الانصهار أو الدمج ستكون صعبة للغاية ولكن قطعاً لن تكون مخيفة كما يصورها اليمين الأوروبي حالياً و المشكلة تطرح حالياً على بساط البحث ويناقشها الجميع دون إخفاء الحقائق و ربما يتم التوصل إلى حل تلك المعضلة تدريجياً.
و لكن تبقى قضيتنا مع العمالة الأجنبية في المنطقة التي تزداد توسعاً مع حاجة المنطقة المتزايدة إلى من يقوم بتلك المشاريع المتعددة خاصة مشاريع البناء التي تعم المنطقة، وخاصة مع ارتفاع أسعار النفط التي رفعت بدورها أسعار الأراضي في أجزاء واسعة من المنطقة الخليجية.
إن 4% من المواطنين المسلمين في أوروبا تثير زوبعة كبيرة وحالة طوارئ حادة خوفاً من سيطرة القيم الإسلامية فكيف الحال بنا عندما نرى الغالبية من سكان المنطقة من خارجها و من جنسيات متعددة.
بحيث نفترض حتمية التجنيس مستقبلاً لأعداد كبيرة منهم خاصة وأن الاتفاقيات التي عقدتها الدول الخليجية مع منظمات الأمم المتحدة والتجارة العالمية و غيرها مثل منظمات حقوق الإنسان بشأن العمالة الأجنبية سوف يحتم عليها تعديل وضع العمالة الأجنبية وربما فرض التجنيس.
ساعتها لن يكون تجنيس 4% مثل ما يحدث في أوروبا حالياً و إنما سيرتفع إلى نسب غير متوقعة فماذا نحن فاعلون ؟ هل أعددنا تصوراً لخطة مستقبلية و هل ستعلن تلك الخطة على المواطنين لإبداء الرأي في شأنها؟ الجواب صعب ومعقد وغير جاهز حتى إشعار آخر.