الجدل العربي الراهن حول مزيد من الحرية يفرض على كل صاحب رأي أن يسهم في تجلية معنى هذه القيمة العظيمة وأهميتها وحدودها، في ظل سيل متدفق من تعريفات «الحرية» تختلف باختلاف الإطار الفكري الذي يحكم من يتصدى لها بحثا وتنقيبا، أو سعيا واشتياقا.

وإذا عدنا خطوات إلى الوراء نجد أن العرب قديما قد نظروا للحرية على أنها نقيض للعبودية، في حين تعامل الإغريق الأقدمون معها على أساس التقسيم الاجتماعي الذي طرحوه، والذي يرى أن هناك نوعا من البشر أرقى من الآخرين.

فأرسطو يجد تفسيرا طبيعيا للرق، إذ يعتبر أن سلطة السيد على العبد تشبه سلطة النفس على البدن، والعقل على الغريزة، ويقول: «مهما يكن فإن البعض هم بالطبع أحرار، وآخرين بالطبع عبيد، وأن الرق في حق هؤلاء نافع بمقدار ما هو عادل..

إن منفعة الحيوانات المستأنسة ومنفعة العبيد كأنها شيء واحد». وفي وقتنا المعاصر، يذهب الليبراليون في تعريفهم للحرية مذهبا مختلفا عما يذهب إليه الماركسيون، ويختلف الجانبان، في كثير من الأوجه، عما تذهب إليه الأديان السماوية.

ويتعامل المفكرون مع الحرية على أنها مفهوم سياسي واقتصادي وفلسفي وأخلاقي عام ومجرد، ذو مدلولات متعددة ومتشعبة، كل مدلول منها يحتاج إلى مستوى معين من التحديد والتعريف، كما تتداخل قيمة الحرية مع نسيج قيم أخرى.

وهنا يرى المفكر السياسي أنطوني كوينتن في كتابه «الفلسفة السياسية» أنه من العسير أن نفصل بين الحرية والمساواة، وأن أي محاولة للسير في هذا الاتجاه تقود إلى المجهول، إذ أن هاتين القيمتين يجب أن يرتبطا ويتعايشا جنبا إلى جنب.

وفي الحقيقة فإن الحرية يجب أن تتضافر مع المساواة، وكذلك العدالة، لتشكل هذه القيم الدعامة الأساسية للنظام الديمقراطي، إذ أن الثقافة السياسية الديمقراطية تؤكد على الحرية كقيمة أساسية. وقد حدا تعدد وتعقد تعريفات مفهوم الحرية بالمفكر المغربي عبدالله العروي إلى القول عقب استعراضه لكافة نظريات الحرية: «نستخلص من هذا التحليل أن الحرية في مفهومها تناقض وجدل، توجد حيثما غابت وتغيب حيثما وجدت».

لكن سيل التعريفات التي تناولت الحرية يندرج تحت مفهومين أساسيين للحرية، الأول: هو «الحرية السلبية»، التي لا تتعدى غياب القيود وانتفاء الإكراه المادي والمعنوي، والثاني: هو «الحرية الإيجابية» التي تعني حصول الفرد على حقوقه وامتيازاته.

وبناء على ذلك، فهناك عدة سمات تميز قيمة الحرية عما عداها من قيم، أولها القدرة على الاختيار أو المفاضلة بين الأشياء المادية والمعنوية، وثانيها الخصوصية، حيث لا توجد حرية فيما يستطيع كل الناس أن يتمتعوا به، كالهواء مثلا، أما ثالثها فهو قدرة الإنسان على تحقيق أهدافه.

ومع هذا فإنه داخل هذه السمات نفسها هناك خلاف حول درجة الحرية ومعناها، ففي حين يرى البعض أن الحرية، في جوانبها الشخصية والمدنية والسلوكية، يجب أن تقوم على التحرر من القيود، فإن هناك من يرى أن الحرية بشكلها الإيجابي هي «التحرر لـ ..» وليس «التحرر من» أي أن وجود قيود تمنع الحرية من أن تصل إلى حد الإفلات أو تجعلها «حرية مسؤولة»، لا يضر بها لكن الذي يضيرها هو التلاعب الذي يقوم به البعض باسم الحرية ليجعلوها، فقط، ما يريدون هم أن يفعلوه دون أدنى اعتبار لحرية الآخرين.

وهناك شروط مبدئية يجب أن تتوافر من أجل أن يكون الإنسان حرا، مثل التعليم والثقافة، حيث إن الجاهل، لا يستطيع أن يتخذ قرارات مستقلة، خاصة في البلدان التي يمارس فيها الإعلام الرسمي كذبا منظما. كما أن الشخص الذي يعاني من العوز المادي لا يمكن أن يكون حرا، لأنه أيضا لا يستطيع أن يتخذ قراره بمحض إرادته، ولذا تتطلب الحرية حدا معينا من الكفاية المادية، بل إن هناك علاقة طردية بين قيمتي «الحرية» و«الكفاية»، حيث أن حرية الفرد تزداد حين تزيد فرص إشباع حاجاته.

وقد كان الإسلام واضحا في هذه النقطة تماما حين أقام مبدأ الحرية على دعامتين أساسيتين، أولاهما، تأمين الإنسان من الجوع وثانيهما، تأمينه من الخوف. وهنا نجد أنفسنا، مرة أخرى، وجها لوجه أمام قيمتي العدالة الاجتماعية والمساواة. وعلى هذا الأساس يرتبط وجود الحرية بثلاثة أمور، الأول: غياب الإكراه والقيود البشرية، والثاني: غياب العوامل والظروف الطبيعية التي تحول دون اتخاذ الفرد لقرار حر، والثالث: امتلاك الفرد لوسائل القوة التي تمكنه من تحقيق أهدافه التي حددها بإرادته الكاملة.

وإذا تم التعامل مع الحرية السياسية، التي هي الأكثر طلبا عند المواطنين العرب في الوقت الراهن، على أنها رافد من روافد الحرية العامة، فإن الصعوبات التي تكتنف مفهوم الأخيرة تنسحب على مفهوم الأولى أيضا، إذ ليس من اليسير أن نستخلص مفهوم الحرية السياسية من بين تلافيف النسيج العريض لمفهوم الحرية. فرغم اختلاف الحرية السياسية عن الحرية الفردية في الطبيعة والهدف ونطاق السريان وشروط الممارسة فإن التلازم بينهما يبدو أمرا ضروريا.

فإذا كانت الحرية الفردية تحفظ للإنسان كرامته، فإن الحرية السياسية تضمن الوسائل التي تحمي الحرية الفردية، وتحدد لها نطاق حركتها. كما أنه لا يمكن الفصل تماما بين الحرية السياسية وكل من الحرية الاقتصادية والحرية الاجتماعية، من منطلق التلاحم بين الظاهرة السياسية وكل من الظاهرتين الاجتماعية والاقتصادية، من ناحية، ونظرا للتداخل بين ألوان الحريات من ناحية أخرى.

ومع هذا فإن للحرية السياسية مظاهر خاصة بها، إلى حد ما، ترتبط أساسا بوجود الديمقراطية، مثل حرية تشكيل الهيئات كالأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية.. الخ، والانضمام إليها، وحرية التعبير، ووجود انتخابات حرة نزيهة يتنافس فيها مرشحون ويختار المواطنون، بشكل حر، من بينهم أولئك الذين يتولون مختلف المناصب.

وفي تصور أكثر شمولا لمظاهر الحرية السياسية يمكن القول بأنها تتكون من عدد من المبادئ التي نادت بها الأديان السماوية والمذاهب الوضعية، ونصت عليها الدساتير المدنية، أولها حق الشعب في اختيار نوع الحكم الذي يريده ويناسبه، واختيار الحاكم بملء إرادته ومحاسبته وردعه عن طريق الأجهزة النيابية والإعلامية، وسحب الثقة منه وعزله حسب دستور محدد.

وثانيها، جماعية القيادة، أي عدم استئثار فرد واحد، أو فئة معينة، أو طبقة خاصة، بالحكم، وأن يلتزم الحكام برأي الجماعة أو الأغلبية. والمبدأ الثالث هو إزالة جميع أنواع التمييز بين أبناء الشعب، وحق الفرد في الوصول إلى كافة المناصب في الدولة.

ويتمثل الرابع في أن يكون الفرد آمنا على حياته وماله وكرامته في ظل سيادة القانون، أما الخامس فهو حرية إبداء الرأي السياسي، وحرية التجمع والاجتماع وتشكيل الجمعيات والأحزاب وغيرها. ويمد البعض الحرية السياسية لتنسحب على وضع الدولة ذاتها، أي حقها في ممارسة سيادتها، وأن تعبر في سياستها عن مصالحها الحقيقية، وألا تكون خاضعة لإرادة دولة أخرى، أو تابعة لها.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة