رغم التقدير الكبير الذي تحفظه الشعوب العربية لاستقلال السياسة الفرنسية في عهد «ديغول» لموقفها من العدوان الصهيوني الأميركي على العرب في مصر وسوريا والأردن عام 67 مقارنة بالتواطؤ البريطاني، وللسياسة الفرنسية المستقلة في عهد «شيراك» في رفضها للعدوان الأميركي الصهيوني على العرب في العراق بعكس المشاركة البريطانية.

فإن هذا الإعجاب بالمواقف الفرنسية انتصار لمبادئ الاستقلال والحرية في عهد ديغول وشيراك، لا ينسينا مواقف مشينة للسياسة الفرنسية المعادية للمبادئ ولشعارات الحرية في عهد السياسة الاستعمارية ضد بلادنا العربية، ولا المشاركة الفرنسية مع القوات الإسرائيلية والبريطانية في العدوان الثلاثي الفاشل على مصر عام56 في محاولة لعودة المستعمرين من الشباك بعد طردهم من الباب.

وبرغم أكثر من موقف نبيل تحفظه الذاكرة العربية لشيراك شخصيا، وأكثر من سؤال طرحته الدوائر الشعبية، وتحفظت في طرحه الدوائر الإعلامية والسياسية العربية في مواقف ملتبسة للسياسية الفرنسية، إلا أن ذلك لا يمنعنا من إدانة الانقلاب الفرنسي المثير للاستغراب من الاستقلال إلى التبعية، ومن المبادئ إلى المصالح، ومن الصداقة إلى الوصاية.

الانقلاب الفرنسي مدان تجاه قضايا حصار فلسطين وتقسيم السودان، وفي محاولة عزل سوريا والوصاية على لبنان، اللتان استطاعتا مبكرا نيل الاستقلال بكفاح طويل، بعد وقوعهما تحت الاحتلال الفرنسي، على إثر نجاح قوى الغرب الاستعمارية في هزيمة الدولة العثمانية، وتنفيذا لمخطط الوزير الفرنسي «بيكو» والبريطاني «سايكس»، لتقسيم مناطق النفوذ في وطننا العربي.

هذا الانقلاب الذي تمثل بالسقوط الفرنسي مع بريطانيا في دائرة التبعية للسياسة الأميركية التي تحركها الصهيونية، لاستصدار القرار الدولي السيء السمعة 1559، ضد سلامة سوريا وضد سيادة لبنان، في تدخل غير مسبوق من مجلس الأمن في الشؤون الداخلية للدول، لإحداث فتنة بين لبنان ولبنان، ثم بين سوريا ولبنان.

وعلى حساب المقاومة الوطنية اللبنانية والفلسطينية، ليبقى الاحتلال الصهيوني في لبنان والجولان، هو في نظرنا سلوك مدان، أضر بالصورة الاستقلالية الفرنسية التي تسعى على عكس بريطانيا لقيادة أوروبا نحو الاستقلال عن الهيمنة الأميركية، وبالتميز النسبي للمواقف الفرنسية عن السياسة الأميركية تجاه القضايا العربية، التي حاولت الرئاسة الفرنسية أن ترسمها وأكسبها قدراً من المصداقية سواء في المنطقة العربية أو الأوروبية أوالفرانكوفونية، مما يعرض هذه المصداقية للتآكل.

ولم تكتسب هذه المنظومة على مدى ثلاثين عاما أي وزن سياسي مؤثر إلا في القمة التاسعة بالعاصمة اللبنانية «بيروت» برئاسة الرئيس اللبناني «إميل لحود» عام 2002 حيث ركزت هذه القمة على السياسي قبل الثقافي، بعدها اتخذت الفرانكوفونية طابعا سياسيا وباشرت تأثيرا متزايدا في العلاقات الدولية، وتطورت العضوية فيها من دول «الاتحاد الفرنسي» الإفريقية الناطقة بالفرنسية إلى 56 دولة ناطقة بالانجليزية والعربية من كل القارات.

لكن موقف باريس من بيروت بعد هذه القمة اعتراه التوتر، وموقف شيراك من لحود اعتراه التغير، في ظل ظروف ما يسمى بالحرب الأنجلو أميركية على الإرهاب التي انضمت إليها فرنسا، وتكثفت الضغوط الأميركية والإسرائيلية على لبنان لفصل المسار اللبناني عن السوري، وتوطين الفلسطينيين في لبنان إلغاءً لحق العودة.

ولوقف نشاط المقاومة الوطنية اللبنانية ضد إسرائيل، ولنزع سلاح حزب الله والمقاومة الفلسطينية في لبنان باعتبارها منظمات «إرهابية»، لكن لحود رفض، وكان قبل ذلك كله ومع ذلك كله قد تحقق في عهده وبدعم سياسي منه أول انتصار عربي على يد المقاومة الوطنية اللبنانية أدى إلى انسحاب الاحتلال الإسرائيلي دون شروط وتحرير الجنوب اللبناني.