يرتكز خطاب الليبراليون الجدد بشكل عام على التجاهل التام للتاريخ، والتركيز على أوضاع الحاضر المهترئة، إضافة إلى التعلق بغواية الثقافة وتصور أنها فقط هى الملجأ والملاذ للخروج من وهدة التخلف التي تعتري العالم العربي المعاصر. وحينما ينسحب التاريخ وتتصدر الثقافة.

تهيمن على الخطاب ألاعيب اللغة وصك الشعارات وانتفاء المصداقية وغياب النوايا الحسنة، وهو الأمر الذي يتضح جليا من خلال القراءة الواعية لبيان الليبرالية الجديدة الذي يقع في خمس وعشرين نقطة.

تأتي النقاط العشر الأولى والمتتالية من البيان لتعلن موقفها الواضح والعدواني والفج من الدين في المجتمعات العربية، والمقصود بالدين هنا الدين الإسلامي وليس غيره، فلا يستطيع الليبراليون الجدد سواء أكانوا مسلمين أو من أبناء الأقليات الدينية العربية الأخرى الإقتراب من المسيحية أو اليهودية.

وفي هذا السياق، يعتمد بيان الليبراليون الجدد على نشر حالة من الهلع والتخويف والترهيب بين صفوف القراء العرب، محورها الرئيسي أننا كعرب نعيش حالة من حالات محاكم التفتيش الإسلامية، وأن الإنسان العربي ليس له من حديث سوى عن الدين، وأنه في سبيل ذلك يحمل سلاحه ويمارس عنفه الدموي الموجه ضد الآخرين ممن يخالفونه المشارب والتوجهات والاعتقاد.

لا ينكر المرء وجود حالة من هيمنة الخطاب الديني على الفضاء العام في العالم العربي والإسلامي، لكن المهم هنا هو التفسير الاجتماعي والتاريخي لأسباب هذا الإنتشار الذي نجد لها مثيلا في العديد من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، منذ سبعينات القرن الماضي وحتى الآن.

كما أن الحديث عن الإسلام يمتزج فيه الإعلامي بالسياسي بالأيديولوجي بشكل يصب في النهاية في تشويهه أكثر من إمكان فهمه تاريخيا ومجتمعيا وعقلانيا، خصوصا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

وفي هذا السياق، يتسم بيان الليبراليون الجدد بالتعميم المفرط؛ فإذا كان هناك فئة من العرب والمسلمين يعتمدون العنف باسم الإسلام، فهم لا يمثلون القطاع الأغلب والأعم من المسلمين، إضافة إلى ذلك يتناسي الكثيرون من دعاة الليبرالية الجديدة أوضاع التخلف في العالم العربي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ودورها في التصعيد الديني بديلا عن مُعاركة الحياة اليومية وتطويرها وتقدمها.

يركز بيان الليبرالية الجديدة على ضرورة الوعي بآليات الحداثة الغربية والأخذ بها، ومحاولة الإستفادة منها في نقد كل ماهو مقدس وتراثي وأخلاقي، فكل مافي المجتمع قابل للتحليل والتفسير والتأويل. ورغم صعوبة قبول هذا المنطق بإطلاق.

حيث لكل مجتمع، منذ بدء الخليقة وحتى الآن، مقدساته وتراثه وأخلاقياته، فإن اللافت للنظر هنا أن الليبراليين الجدد يبدأون من حيث انتهى الآخرون، بما يشبه القطيعة المعرفية والمجتمعية المطلقة للأوضاع السائدة في العالم العربي.

يتجاهل الليبراليون الجدد هنا حقائق وظروف المجتمعات العربية المتخلفة، فكيف يمكن تحقيق هذه الحداثة والوعى بآلياتها ومستجداتها وطرائقها المختلفة في ظل تدني الدخل الفردي للكثير من المواطنين في العالم العربي، والإنتشار الواسع المدى للفقر في الكثير من الدول العربية؟

وكيف يمكن تصور إمكان الحديث عن حداثة عربية جديدة في ظل الإنتشار الواسع المدى للأمية في الكثير من هذه الدول؟ يتسم بيان الليبراليون الجدد بالقفز الهائل على حقائق وظروف المجتمعات العربية، ولعل ذلك يرجع إلى أنهم بالأساس منفصلون مكانيا ونفسيا عن معايشة المجتمعات العربية ومكابدة المشكلات الحياتية التي يواجهها المواطن العربي في كل لحظة من لحظات حياته.

يمثل الماضي العربي والإسلامي عبئا نفسيا على الليبراليين الجدد، وربما لا توجد حركة فكرية في العالم العربي، إذا جاز وصف الليبراليين الجدد بأنهم حركة فكرية، تعادي الماضي وبالتبعية التاريخ مثلما هو الحال مع الليبراليين الجدد.

وتنبع معاداة الماضي الواضحة من جانب الليبراليين الجدد من عدة أسباب، أولها أن الليبراليين الجدد يرفضون تماما أى حديث عن الحضارة الإسلامية ودروها في التاريخ البشري، والحديث عنها بما لها وبما عليها، شأنها في ذلك شأن أى حضارة من حضارات التاريخ البشري منذ بدء الخليقة وحتى الآن.

فبجرة قلم، تصبح هذه الحضارة من مخلفات الماضي التي يجب تجاوزها، ويصبح تاريخ العرب والمسلمين هو الحاضر المعاش الذي علينا أن نؤسسه بناء على الإستهداء بالآخرين الأكثر تقدما والأكثر استنارة.

واللافت للنظر هنا أن الليبراليين الجدد لا ينطوون على رؤية نقدية جادة وحقيقية تجاه الماضي الإسلامي، كما أنهم ليس لديهم أي مشروع فكري واضح من أجل التعامل مع هذا الماضي، لكنهم تحركهم توجهاتهم الأيديولوجية نحو خلق قطيعة معرفية مغلوطة مع الماضي من أجل نفيه، ومن أجل الإرتماء في أحضان الحداثة الغربية التي يعظمونها ويجلونها أيما تعظيم وأيما إجلال.

وثانيا، أنهم من غير الدارسين والمتخصصين في هذا الماضي، لذلك فإنهم يجدون من الصعوبة عليهم التعامل معه وتناوله بالنقد والتحليل مقارنة بالحاضر الذي تتضح فيه بعد المسافة بين واقعنا الحضاري المتخلف وبين واقع المجتمعات الغربية المتقدمة. فقط يمكنهم تناول هذا الماضي من خلال المقولات والأطروحات المتعارف عليها من قبل بعض الكتاب والتي لا تقدم تقييما علميا حقيقيا للحضارة الإسلامية ودورها في التاريخ الإنساني، قدر ما تقدم تصورات أيديولوجية نفسية محملة بالكراهية والدونية في الوقت نفسه.

يقول بيان الليبرالية الجديدة حول الماضي العربي والإسلامي أنه «لا يمكن إنتاج الحاضر بتاريخ الماضي، وإنما بتاريخ الحاضر، والمستقبل كذلك. وشرط تخطي الماضي قائم في الحاضر، وليس في الماضي.

وخاصة ماضينا وتراثنا الثقافي الذي أقام مجزرة معرفية لنفسه بنفسه، وعادى الفلسفة بقيادة ابن تيمية والسيوطي وإبن القيم الجوزية وغيرهم، وطرد العقل، واضطهد المعتزلة، وأغلق باب الاجتهاد، وحرم علم الكلام، ونفي أصحاب المنطق، ووضع النصوص المزورة التي تحارب الفلسفة والحكمة وإعمال العقل...

فكيف يمكن الإستعانة بهذا الماضي للعبور إلى الحاضر؟» هذه هي صورة الماضي العربي والإسلامي القابعة في ذهن الليبراليين الجدد، ورغم أن هذه الصورة صحيحة إلى حد بعيد في بعض الفترات التاريخية، إلا أنها ليست كل الصورة وليست كل التاريخ.

والهدف من وراء هذه الصورة السوداوية الدموية، وفقا لبيان الليبراليين الجدد أكثر دهاء وخبثا، حيث يتمثل في ضرورة أن يتخلى العرب تماما عن ماضيهم ويرتمون في أحضان الهيمنة الغربية، الأميركية بالأساس.

يقول بيان الليبراليون الجدد في النقطة العاشرة «على العرب أن يتخلوا عن المثل الأعلى الموهوم الذي يتقمصوه تخيلاً، ومكابرة، واستعلاء، وانتفاخاً كانتفاخ الطواويس (لنا الصدر دون العالمين أو القبر)». على العرب وفقاً لهذه النقطة من بيان الليبراليين الجدد أن يعرفوا أحجامهم، ويلموا بواقعهم المتخلف، وينبذوا ماضيهم وحضارتهم، ويُقبلوا صاغرين على الآخرين، من موقع الضعف والخنوع والهوان.

وثالثا، تحمل معاداة الماضي ونبذه ونسيانه، ليس التعامل النقدي مع الحاضر والتوجه نحو المستقبل كما يدعي الليبراليون الجدد، ولكن القبول بالحاضر، والتعايش معه ومع هزائمه العديدة في العراق وأفغانستان، وقبل كل ذلك في فلسطين. فوفقا لبيان الليبراليين الجدد، يتم التعامل مع الحاضر المعاش من خلال النقاط التالية، عدم التحرج من الإستعانة بالقوى الخارجية لدحر الديكتاتوريات العربية العاتية.

وعدم التحرج من تحقيق الإصلاح من الخارج، وضرورة قبول الآخر الإسرائيلي والقبول بالمفاوضات والحل السلمي في ظل تفوقه العسكري الحالي، والإيمان بالتطبيع السياسي والثقافي مع الأعداء أخذا بمبدأ الواقعية السياسية، وتحويل اتفاقيات السلام العربية الموقعة في كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة من كونها اتفاقيات دول إلى اتفاقيات شعوب، وقبول العولمة بوصفها الموصل الأساسي للحداثة والتقدم، وأخيرا المطالبة بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة في العالم العربي.

من عجب أن هناك العديد من الأقلام الغربية التي تنقد العولمة ومثالبها وهيمنتها، ومن عجب أن هناك العديد من هذه الأقلام التي تندد بالممارسات الإسرائيلية العنصرية والدموية تجاه الشعب الفلسطيني، ومن عجب أن هناك مقاومة شرسة ومتصاعدة داخل الولايات المتحدة الأميركية ضد الوجود العسكري الأميركي في العراق وأفغانستان.

ورغم ذلك يمجد بيان الليبراليون الجدد أميركا وإسرائيل ويسبح بخطاب العولمة والإصلاح والتغيير، وهو الأمر الذي يستدعي التساؤل عن سر هذا التمجيد والتسبيح بحمد القوى الخارجية ودعوتها للمنطقة العربية.

لا يكتفي بيان الليبرالية الجديدة بالتطبيع على المستوى الرسمي، لكنه، وعلى الضد من دعواته للحرية المطلقة، يريد أن يفرض على الشعوب العربية هذا التطبيع والإيمان به. ولعل ذلك يأتي متوافقا مع رؤية الليبراليين الجدد من حيث عدم إيمانهم بالشعوب العربية وقدرتها على الحلم والتغيير والتقدم.

يؤكد بيان الليبراليون الجدد حول الشعوب العربية وتصوره لهم على ضرورة( الإقرار بأن التاريخ محكوم بالقوانين وليس بهوى الشعوب ولا بخيالها ولا بتعلقها بالماضي).

يقول البيان ذلك، بدون أن يحدد لنا ماهية هذه القوانين، وبدون أن يكشف لنا من يصنع هذه القوانين، ويحدد مصائرها، وبدون أن يبين لنا ما فائدة هذه الشعوب إذا لم تغير وتتخيل وتحلم وتتطور. ولعل ذلك يأتي متسقا مع الوضع النخبوي لليبراليين الجدد، المنفصلين مكانيا وزمانيا ومعيشيا عن مجتمعاتهم العربية التي هاجروا منها جسديا أو عقليا.!!

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com