بنية مسبقة تستهدف انهاك البدن الفلسطيني واستنزاف أقصى ما يمكن من موارد قوته وقواه، استغلت اسرائيل حادث أسر جندي اسرائيلي بواسطة المقاومة الفلسطينية، لتنفذ اجتياحا واسع النطاق لقطاع غزة وبعض مناطق الضفة الغربية، وبوحشية غير مسبوقة تؤكد أن طرفي المعادلة هما إرهاب الدولة الاسرائيلية في مقابل مدنيين عزل وقوات شرطة فلسطينية محدودة التسليح، والهدف النهائي غير المعلن الذي تسعى إليه اسرائيل هو فرض حل أحادي الجانب يغتصب معظم حقوق الفلسطينيين، ويوصلهم إلى اقصى درجات اليأس والقنوط، فيقبلون (سلاما) بمواصفات اسرائيلية هو أقرب للاستسلام كما تشتهي وتتمنى.

وإذا كنا قد تعودنا على أشكال مختلفة لارهاب الدولة الاسرائيلية تندرج كلها تحت عنوان (جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، فإن الاجتياح الحالي يحمل معه جديدا يتمثل في تواطؤ دولي مريب بالصمت عن عمليات الابادة الجماعية لشعب أعزل، يصل إلى ذروته في موقف الولايات المتحدة الأميركية التي وصفت هذا الاجتياح بأنه (حق لاسرائيل للدفاع عن نفسها وعن مواطنيها) كما يقول المتحدث باسم البيت الأبيض.

وبذلك المنطق، فإن واشنطن تقنن وتشرع عمليات القتل والتدمير والترويع واغتصاب حقوق الغير، وتمنح القتلة صكوك غفران تحميهم من المساءلة والادانة، وتعلي من شأن شريعة الغاب فتجعل القوة فوق الحق والقانون والمواثيق والأعراف الدولية.

ان العرض الفلسطيني قبل أيام بتسليم الأسير الاسرائيلي مقابل اطلاق سراح أسرى فلسطينيين من النساء والأطفال، والذي لم يوافق عليه الاسرائيليون ومن يدعمون سياساتهم الارهابية التوسعية، يؤكد بجلاء أن الاجتياح الحالي أمر تم التخطيط له من قبل وأصبح جاهزا للتنفيذ متى تم التوصل إلى ذريعة مناسبة.

كما أنه يفرض على العرب ضرورة اجراء مراجعة تقييمية شاملة للموقف في كل استمرار ارهاب الدولة الذي تمارسه اسرائيل، والذي ينذر بتفاقم الوضع إلى درجة كارثية تهدد أمن وسلام منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

وقبل أن نبادر بادانة الآخرين لتواطؤهم، على البلدان العربية التوقف تماما عن كل أشكال الاتصالات مع اسرائيل، إلى أن يتم اعادة تقييم الموقف ودراسة الخيارات الأخرى الكفيلة بتحقيق سلام دائم شامل عادل يقوم على مبادئ الشرعية الدولية ومبدأ الأرض مقابل السلام ، واقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ يونيو 67.

وبدلا من بيانات الادانة والشجب والاستنكار، على منظمات المجتمع المدني العربية أن تقوم بدورها في توثيق فصول العدوان الاسرائيلي المتكرر والمستمر منذ أكثر من نصف قرن، وتحريك دعاوى قضائية أمام المحكمة الدولية لجرائم الحرب ضد كل من يقومون بهذه الاعتداءات الوحشية المتكررة، اضافة إلى تحريك دعاوى سياسية بهذا الشأن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان وكل التنظيمات الأخرى المعنية بإقرار الأمن والسلام في عالمنا.

ويبقى القول إن صمود وتلاحم الشعب الفلسطيني بكل أطيافه وفصائله، يظل هو الصخرة التي تتحطم عليها هذه الموجة الجديدة من الارهاب الاسرائيلي، الذي يتعين عليه ادراك فداحة ثمن ممارساته الوحشية.