من الواضح أن الحملة الإسرائيلية على قطاع غزة معد لها بعناية ومدروسة ومخطط للقيام بها، وهي لا تستهدف الإفراج عن أسير إسرائيلي، الذي أتخذ ذريعة للعدوان - كعادة إسرائيل في مثل هذه الحالات -. فالإفراج عن الجندي المأسور ممكن بالوسائل السلمية والدبلوماسية وليس بالتهديد والوعيد، لكن شهوة حكومة أولمرت لاستعراض قوتها وتسجيل أمجاد سياسية من الدم الفلسطيني عادة إسرائيلية قديمة.

فما علاقة الإفراج عن الجندي الإسرائيلي - وهو مطلب إسرائيلي - بتدمير البنية التحتية الخدماتية التي تقدم أبسط أسس الحياة للشعب الفلسطيني مثل الكهرباء والطرق والجسور والتي قامت قوات الاحتلال بتدميرها؟.

إن الجيوش التي تخوض حروباً تقليدية - وهي أكبر من حروب عصابات مثل الحالة الإسرائيلية - لا تلجأ لقصف البنى التحتية والمناطق المدنية إلا في أوقات متأخرة من الحرب عندما تتحول المواجهة إلى حرب شاملة تمتد لسنوات مثلما كان الأمر في الحرب العالمية الثانية لكن إسرائيل خالفت كل قواعد الحروب وتقاليدها وبدأت في قصف البنى التحتية أولاً قاصدة حرباً شاملة على الفلسطينيين.

يبدو أن الإسرائيليين لم يدركوا بعد أن الفلسطينيين لا يرهبون أسلوب الصدمة والترويع وإرهاب الدولة وأن مثل هذه الأساليب لم تعد تجدي مع الشعوب العربية المنكوبة بالغزو والاحتلالات. وأن الأمر يتعلق بتحرير الأرض والكرامة من المحتلين والمغتصبين وهو ما يستحق التضحيات الجسام.

إن إسرائيل التي تعود منها المجتمع الدولي الانتهاكات المتتالية لحقوق الإنسان وللاتفاقيات الدولية تقف اليوم أمام الحقيقة، فهي تهاجم المناطق المدنية بينما الفلسطينيون يشنون هجمات على المناطق العسكرية.

وأن على الأسرة الدولية أن تلجم غريزة القتل والتدمير الإسرائيلية. وأن تسجل على الأقل موقفاً مبدئياً تجاه العقوبات الجماعية التي تفرضها تل أبيب على الفلسطينيين والتي شملت مؤسسات الخدمة العامة للمواطنين.

إننا نحذر القوى الكبرى من أن السكوت على العدوان الإسرائيلي وانتهاكات المواثيق الدولية سيسقط أي قيمة حقيقية للنظام العالمي ولاتفاقياته ولعدالته. وأن التصرفات الهوجاء للقوات الحربية الإسرائيلية ستحرض على مزيد من الكراهية بين العرب والمسلمين من جهة والغرب الساكت على تهورات إسرائيل من جهة أخرى.

وفي وقت يلتهب فيه جمر العداوات والصراعات فإن المطلوب اليوم موقف دولي عادل تجاه القوة الإسرائيلية الغاشمة المعتدية على المناطق المدنية في غزة حتى لا تكبر المأساة، وهي مأساة العدالة أولاً.