نفذت المقاومة الفلسطينية قبل أيام أعقد وأكبر عملية نوعية لها داخل إسرائيل منذ الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة في سبتمبر الماضي. وأسفرت هذه العملية عن مقتل ضابط وجندي وخطف ثالث وجرح 5 آخرين، إضافة إلى تدمير دبابة ومجنزرة. وهذه أول عملية يجري فيها خطف جندي إسرائيلي منذ اختطاف نحشون فاكسمان عام 1995.

وكان الرد الإسرائيلي الفوري على العملية القيام بعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة بعدما حظرت على الرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» مغادرة قطاع غزة قبل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي، مطالبة الرئيس عباس أن يستثمر هذه الفرصة ليثبت مدى جدية نواياه لوقف ما تسميه إسرائيل «الإرهاب الفلسطيني».

أما الرد الفلسطيني الرسمي، فقد أدانت الرئاسة الفلسطينية العملية واعتبرتها «خرقا للتفاهمات»، وفي بيان صادر عنها، قالت الرئاسة إن العملية «تتناقض مع كل ما سمعناه من مواقف للفصائل الفلسطينية المختلفة خلال الأيام الماضية، وهي بالتالي خرق للتفاهمات التي عبرت عنها قيادات الفصائل التي اجتمعنا بها».

حركة المقاومة الإسلامية «حماس» من جانبها رفضت أي اتهام بالخروج عن الإجماع الوطني، وقالت على لسان المتحدث باسم كتلتها في المجلس التشريعي، «عادة من ينتقد المقاومة هو الذي يخرج عن الإجماع الوطني». واستدعى أبو مازن، قادة الفصائل وأبلغهم تهديداً إسرائيلياً بأنه إذا لم يطلق سراح الجندي، في غضون ساعات فإن قوات الاحتلال ستجتاح غزة، أما الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية فلم تعلق على العملية، غير أنها ناشدت فصائل المقاومة الحفاظ على حياة الجندي المخطوف.

مما لاشك فيه أن هذه العملية جاءت رداً على المجازر المتتالية التي قامت بها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة طوال الأسابيع الماضية. فمن منا في العالم العربي وخارجه لا يتذكر مشاهد القتلى الفلسطينيين من الأطفال والنساء على شاشات التلفاز المختلفة ولم نسمع عن تحقيق دولي أو إدانة دولية أو استنكار أو حتى توبيخ متواضع من قبل المجتمع الدولي ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي الذين طالما سمعناهم يتحدثون عن رفضهم للإرهاب الفردي وإرهاب الجماعات وإرهاب الدولة.

ولكن الأمر يبدو مختلفاً عندما يسقط الشهداء المدنيون في فلسطين ويتم اغتيال وتصفية قيادات سياسية وتهدم البيوت وتجرف الأراضي الزراعية وتصادر الأراضي الفلسطينية من أجل بناء المستوطنات والجدار العنصري، لأن هذه الأمور بنظر المجتمع الدولي قد لا تصل حد الإدانة ضد الممارسات الإسرائيلية، أو أن قادة المجتمع الدولي لا يجرؤون على القيام بمثل هذه الخطوة لأن لديهم حساباتهم المختلفة والمعقدة.

وفي كل الأحوال كيف لنا بالأساس أن نتوقع صدور إدانة دولية ضد الممارسات الإسرائيلية في فلسطين المحتلة في الوقت الذي أثبت فيه المجتمع الدولي أن سياساته في منطقة الشرق الأوسط ليست إلا عبارة عن ردود فعل وتخبطات والأهم من هذا وذاك هي عبارة عن مزيج من التناقضات والنفاق السياسي. وخير دليل على تلك السياسات ما تجسد في المواقف الدولية حيال نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حماس فوزاً ساحقاً.

فالتناقض في السياسة الدولية تجسد في مطالبة المجتمع الدولي بإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة في العالم العربي بشكل عام وفي فلسطين بشكل خاص على أساس أن الشعوب هي صاحبة القرار في اختيار قادتها وحكوماتها وبالتالي البرنامج السياسي. ولكن الشعب الفلسطيني الذي استمع جيداً لنصيحة المجتمع الدولي وقبل بلعبة الديمقراطية وأجادها وشهد بنزاهتها العالم بأسره وكانت السابقة الحقيقية الأولى في هذه المنطقة، ما ان اختار حكومته الجديدة عن طريق الانتخابات ليكتشف أنه أوقع نفسه في الفخ الدولي وأنه عملياً كان قد صوت طوعاً لقرار دولي يطالب المجتمع الدولي من خلاله حصاره مادياً ومعنوياً وسياسياً ودبلوماسياً.

أما النفاق السياسي الدولي فهو متجسد ببساطة في عدم رغبة الدول الكبرى سواء في مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الأميركية في تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي ومبدأ الأرض مقابل السلام.

عندما أصدر مجلس الأمن قراره 1559 المتعلق بالوجود السوري في لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري كان على دمشق تنفيذ القرار الدولي والانسحاب الكامل من لبنان وإلا سيتخذ المجتمع الدولي إجراءات صارمة ضد سوريا. وقبل ذلك وتحديداً قبل بدء الاحتلال الأميركي للعراق صدرت قرارات دولية عديدة متعلقة بالوضع العراقي وتحديداً أسلحة الدمار الشامل وقامت بغداد بتنفيذ كل القرارات ذات الصلة

ومع ذلك لم تسلم من شر المجتمع الدولي بقيادة الإدارة الأميركية الحالية. والآن تواجه إيران المجتمع الدولي لإصرارها على امتلاك قدرات نووية سلمية، علماً أن إسرائيل تمتلك ما يكفي لتدمير منطقة الشرق الأوسط نووياً وتقليدياً ولا أحد يتحدث عنها.

إذاً في ظل هذه الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني من حصار وقتل وتدمير وسلب للأرض والممتلكات من قبل الطرف الإسرائيلي وظلم وإهمال ونفاق من قبل المجتمع الدولي إضافة إلى وجود حالة من الفساد والتسيب والضياع والتشرذم من قبل أطراف سياسية فلسطينية لا يجد عندها الشعب الفلسطيني المحاصر إلا أن يقاوم ويهاجم ويقاتل لأن البديل هو الاستسلام للأمر الواقع، الشيء الذي لم يحدث منذ خمسين عاماً ولن يحدث في المستقبل.

إن الشعب الفلسطيني بحاجة ماسة للتلاحم والوحدة وتوحيد الصفوف بين مختلف الفصائل السياسية في هذا الوقت وفي المستقبل لما ينتظره من أيام عصيبة سواء كنتيجة لأية عملية مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وماينتج عنها من رد إسرائيلي أو لمنع أية احتمال، مهما صغر أو كبر، لنشوب اقتتال داخلي يقود إلى حرب أهلية وهو هدف استراتيجي سعت وستسعى له إسرائيل لأنه الحل الأفضل والمبرر الأنسب لتنفيذ مخططاتها الآحادية الجانب.

إن الفصائل الفلسطينية المختلفة كادت أن تصل إلى اتفاق سياسي قبل حدوث العملية الفدائية الأخيرة. ولذلك فإن الفصائل الفلسطينية جميعها مطالبة الآن وأكثر من أي وقت مضى أن تستمر في جهودها المكثفة حتى تتوحد في خندق واحد تحت برنامج سياسي واحد وفي حكومة فلسطينية موحدة لأن المواجهات في المستقبل ستكون أكبر وأعظم من أن يواجهها طرف واحد بمفرده مهما تمتع هذا الطرف من دعم داخلي أو خارجي.

إن المضي قدماً نحو هذا الهدف النبيل في التوحد في الرؤى والأهداف والآليات السياسية والنضالية سيكون الواقي المنيع لكافة الفصائل من الانجرار نحو ما هو معلوم وما هو مجهول، وهو واجب وطني وقومي وإسلامي ولن يبرر التاريخ بل لن يبرئ أي طرف فلسطيني في حال الإعلان عن فشل هذه الجهود.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com