شهدت الساحة الفلسطينية، هذا الأسبوع، تطورين نوعيين بالغي الأهمية.. الأول: العدوان الإسرائيلي لقطاع غزة، والحشد العسكري الهائل إثر العملية العسكرية عالية الدقة والتخطيط والتنفيذ. والتطور الثاني الإعلان عن اتفاق بين الفصائل؛ ينقل الوضع من حقل التوتر والمواجهات الداخلية المفتوحة على صدام أهلي دموي انتحاري، إلى حقل التفاهم المؤدي إلى بناء وحدة وطنية؛ تقتضيها الظروف الراهنة أكثر من أي وقت مضى.
التطور الأول قوبل بصمت دولي وكأن ضمير العالم مات أمام المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين رغم أن العملية العسكرية الفلسطينية كانت ضد أفراد الجيش الاسرائيلي وليس ضد المدنيين. أما الثاني بالرغم من ولادته القيصرية ومن بعض الضباب الذي يلفه، فهو ينزل في مقام التحول التاريخي، في المسيرة الوطنية الفلسطينية، والقادر على الارتقاء بها إلى المستوى المطلوب والمنشود. ومن هنا أهميته الفريدة.
فهو قابل، إذا ما استكمل كافة شروط ترجمته ووضعه على السكة الصحيحة، ليكون المدخل إلى عملية طي صفحة التشرذم الفلسطيني وسلبياته وفتح صفحة العمل الوطني المسلح ببرنامج يلبي شروط مواجهة الاحتلال. الاتفاق الذي تم توقيعه بالأحرف الأولى، لقي الكثير من الترحيب والارتياح. معه، وحتى قبل توقيعه رسمياً ـ قريباً، انفتح باب الفرج الداخلي. هموم الصراعات الفلسطينية لم تكن أقل مرارة ـ بل كانت أشد ـ من هموم الاحتلال وحصاراته وتهديداته واغتيالاته.
أوجاعها لم تكن فقط أقسى؛ بل كانت أيضاً عامل نزف للطاقات؛ التي كان من المفترض والطبيعي أن تتكاتف وتتماسك بدلاً من أن تتناحر.الآن من المتوقع أن يبدأ هذا الواقع السلبي بالانحسار. فالاتفاق حدد ورسم القواسم المشتركة، للقضايا والملفات الخلافية. قرر الضوابط والسياقات. به صارت الوثيقة مرجعية.
واستطراداً صار الاستفتاء، الذي كان من المتوقع أن يزيد من تأزيم الوضع، بحكم الملغى. كما تحققت قفزة نوعية هامة جداً، من خلال التوافق على عقد اجتماع لإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية. تحريك هذه المهمة القديمة المؤجلة ووضعها على طريق التحقيق الملموس؛ خطوة كبيرة ومفصلية، في هذا الظرف. ذلك أن ترجمة التفعيل ـ إذا حصل ـ وانضواء كافة الفصائل تحت مظلة المنظمة، من شأنه أن يضبط الخلافات في إطار مؤسسي، تكون له آلياته القادرة على حسم الأمور في هذا الخصوص.
الوضع الفلسطيني عانى بما فيه الكفاية من الانفلات؛ وحرق الكثير من الطاقات من أجل إطفاء الحرائق الداخلية وتطويقها. غياب البوتقة والمرجعية، فاقم من حالة التسيب. العودة إلى تحت سقف المنظمة وبآليات جديدة تكفل بقاء الصراع السياسي ضمن حدوده وبالتالي قطع الطريق على الاحتكام للسلاح والمواجهات العسكرية، بين القوى الفلسطينية.
حتى الآن، الحصيلة كانت من صنف الأرباح الصافية. «الوهم المتبدد» جاء بجديد نوعي على قواعد اللعبة. اجتنابه للأهداف المدنية زاد من أهمية العملية وسد الطريق على إمكانية توظيفها ضد الجانب الفلسطيني، وهو ما تسعى إليه إسرائيل عبر العدوان الجاري على غزة منذ مساء أمس الأول.
أما الاتفاق حول الوثيقة ففتح المجال ولأول مرة، أمام بناء وحدة وطنية، ولو مرحلية، طال انتظارها. ومع أن العمل في هذا الطريق ما زال في بدايته ويتطلب الكثير من الجهد والتطوير، إلا أن الخطوة الأولى قد تحققت؛ ولا بد من مواصلتها لفتح صفحة حقبة نوعية جديدة في المسيرة الفلسطينية، والتوحد ضد الهمجية والبربرية الصهيونية التي تمارس الآن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني خاصة في غزة وعموم الأرض الفلسطينية.