فعلتها موريتانيا هذه المرة، وقدمت للأمة العربية نموذجا في الإصلاح السياسي و«دمقرطة» المجتمع لا يرتكن إلى أجندة خارجية أو يرضخ لضغوط أميركية، بل يستمد قوته واندفاعه من الواقع المحلى وتجارب الداخل والميراث الوطني القريب،ويتغذى على مخزون النضال الشعبي الذي تصدى طيلة سنوات الطغيان للقهر والقمع والفساد، ويستلهم دروس فشل النظام البائد في تدجين الشعب الموريتاني، ومسخ هويته العربية الإسلامية، لصالح المشروع « التطبيعي» مع إسرائيل.

تكمن أهمية الدرس الموريتاني في الديمقراطية وتأسيس قاعدة دستورية لتداول السلطة، في توقيته الاستثنائي، الذي يتناقض مع الاتجاه العام الحاكم لزماننا العربي الراهن، حيث تسيطر رغبة جامحة على كثيرين في تحويل الجمهوريات إلى «ملكيات جمهورية» تجمع بين بريق الحكم الجمهوري كميراث و«ايقونة» تاريخية تزيغ لها أبصار الشعب ،من جهة، وابهة وسلطة العروش الملكية ،دون امتلاك أي مبرر او سند يتيح لها شرعية الالتحاق بالقطار الملكي.

الآن أصبحت فترة الحكم الرئاسي مقيدة بمدة زمنية محددة لا تتجاوز عشر سنوات في حدها الأقصى، مقسمة على فترتين رئاسيتين، وبالانتخاب المباشر، وأكثر من هذا أصبح الدستور الموريتاني له من القداسة والسلطة ما يحميه من اى رغبة شيطانية او محاولة لتغييره لصالح الحاكم ،فلقد اشترط التعديل الأخير الذي اقره الشعب الموريتاني في الاستفتاء التاريخي موافقة غالبية المجالس التشريعية والمحلية المنتخبة قبل طرح أي تعديل دستوري على الاستفتاء في المستقبل، بما يمنع أي محاولة انقلابية تطيح بالانجاز الديمقراطي.

على ان ابرز ما في الخطوة الموريتانية من قيمة تاريخية مضافة انها تتخطى حاجز المفاجآت السياسية العربية، بل تكسر كثيراً من الثوابت والأوهام المسيطرة على الفكر السياسي العربي، الذي مازال يلوك رطانات « ايديولوجية» فارغة تهزأ من دور العسكر والجيوش، وتصنف اي تحرك لهم في خانة معاداة الحركة الشعبية، وتختزلهم في صورة « جنرالات» الانقلابات التي تسحق مشاريع النهوض والتحديث، قياسا على تجارب جنرالات شيلي وغيرها.

ولا نبالغ عندما نقول ان رد الفعل العربي المباشر على نجاح حركة ضباط الجيش في موريتانيا، كان قليلاً من الفرح بإزاحة رمز «التطبيع» مع إسرائيل، وكثيرا من التوجس في مقاصد المجلس العسكري الجديد، وخوفا من ان يؤسس « سلطة عسكرية» باطشة، تعيد تجربة الحكم البائد.

زاد من حدة هذه المخاوف ان قيادة الانقلاب كانت مقربة من الرئيس المخلوع معاوية ولد طايع، ويحيط بها الغموض وندرة المعلومات التي تتيح للمراقب ان يرسم لها صور تقريبية تساعد على تفهم مسارها وطريقة تفكيره، فضلا عن آفة الغياب المعرفي التي لا تتيح لأي عربي ان يتفهم مجريات الاحداث في بقية أقطار وطننا، وكأننا أمم متفرقة ولسنا امة واحدة.

في ظل هكذا أجواء وقع انقلاب العقيد ولد فال ورفاقه من ضباط الجيش الموريتاني، كنتيجة منطقية لجهود النظام السابق في تجفيف منابع الثورة، وإجهاض البدائل في أرحامها الشعبية، قبل ان تتشكل أجندة وتولد شرارة التغيير، حيث حوصرت كل التنظيمات السياسية، وأفسدت قيادات كثيرة، وصارت المعادلة السائدة: اما الالتحاق بقطار الحكم وقضم نصيب من كعكة العطايا، أو التشريد والتهميش والضياع في التيه.

لكن كان للتاريخ كلمته الحاسمة التي تهزأ دائما ممن يخدعون أنفسهم ويتنكرون لدرسه، ومن مكمنه «يؤتى» الطاغية، وأطيح بولد طايع على يد المسؤول الأول عن امن الرئاسة، الذي واتته شجاعة الانحياز لشعبه، وشق مجرى نهر سدته نفايات التاريخ والعطن.

قد يستحق ولد فال ورفاقه اذا أكملوا استحقاق تسليم السلطة للشعب، دخول التاريخ من أوسع أبواب مجده، لكن المؤكد ان درسهم سيبقى ملهما لكثيرين يخاطبهم حلم يحلق في فضاء أوطانهم ويبحث عمن يحقق معادلة التغيير السلمي ويحمي البلاد من مخاطر الفوضى أو الوقوع في فخ التفكك وانهيار الدولة.