سمعة الولايات المتحدة أصبحت في الحضيض ليس في نظر شعوب الوطن العربي والعالم الإسلامي فقط، بل في نظر العالم كله، سواء لدى منظمات المدافعين عن حقوق الإنسان الأوروبيين والأميركان، أو سائر المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ومنظمة العفو الدولية.
وأصبح ما تكشف عنه الصحافة الأميركية والأوروبية من فضائح كل يوم يثير مشاعر الاشمئزاز لدى الأصدقاء والحلفاء قبل ان تضعهم «الإدارة الأميركية» في خانة الأعداء، بعد ما تكشف من جرائم وانتهاكات أميركية لحقوق الإنسان ولمبادئ القانون الدولي والقيم والأعراف الإنسانية في «باغرام» بعد احتلال أفغانستان، وفي «أبو غريب» بعد احتلال العراق، وفي «غوانتانامو» على القاعدة الأميركية على الجزء المحتل من الجزيرة الكوبية.
تواتر الانتهاكات الإجرامية في أفغانستان الإسلامية أو في العراق العربية لقوات الاحتلال الأميركية، وانكشاف التعذيب في السجون السرية الأميركية في القارة الأوروبية وللأسف في بعض الدول العربية.
وتوالى فضحها والاحتجاج عليها بواسطة الشرفاء في وسائل الإعلام العالمية، بقدر ما يزيد من انبعاث الروائح الكريهة من وراء الممارسات الفعلية على الأرض والتي تمثل نموذجا «لإرهاب الدولة» الأشد فتكا وتخريبا ووحشية من إرهاب الجماعات والأفراد.
بقدر ما يثبت الصورة الحقيقية والواقعية أمام الرأي العام العالمي للاحتلال باعتباره أعلى مراحل الإرهاب، ويكشف زيف ما تروجه وسائل الدعاية الأميركية والتابعة لها بتبرير الاحتلال باعتباره ضروريا في إطار ما يسمى «الحرب على الإرهاب» طريقا لأن يكون العالم أكثر أمنا وديمقراطية وإنسانية.
لقد فجرت أول عملية انتحارية عربية جماعية ضد الانتهاكات الإنسانية والقانونية، بعد الشعور باللاجدوى من عمليات الإضراب عن الطعام الاحتجاجية الإسلامية الجماعية في معتقل قاعدة «غوانتانامو» الأميركية.
موجات جديدة من مشاعر الغضب والازدراء في الأوساط الدولية والأوروبية والأميركية ذاتها، ولا ندرى إلى أي مدى تساوى الغضب والاحتجاج لدى النظم الرسمية ولدى وسائل الإعلام «العربية» ومنظمات حقوق الإنسان خصوصا الممولة رسميا أميركيا وأوروبيا مع مشاعر الغضب والاحتجاج لدى الرأي العام العربي أولا ومع ذات المشاعر ولكن الأعلى صوتا والأقوى تأثيرا في الأوساط الرسمية وفى وسائل الإعلام الأوروبية ولدى دعاة حقوق الإنسان وقطاعات الرأي العام «الغربية».
تخيلوا لو أن ما حدث مع المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب حدث مع مواطنين أميركيين أو أوروبيين «مشتبه بهم» وأسروا في عدوان عربي أو إسلامي ووضعوا في سجون خارج نطاق القوانين المحلية والدولية.
ولكن فقط بقانون جبروت القوة دون محاكمة، بل دون توجيه اتهام، أي اتهام، بل أيضا دون حقهم في توكيل محامين للدفاع عنهم وتحديد ما إذ كانوا مجرمين حقا أم أبرياء وعلى مدى أربع سنوات..
فماذا كان يمكن أن يحدث من رد فعل عسكري لإدارة متعصبة ورعناء وضيقة الأفق ولا تقيم وزنا لما هو قانوني أو إنساني مثل إدارة «بوش»، وهي نفسها الإدارة التي أفرجت عن العشرات منهم بعدما عانوا من تعذيب وسوء معاملة بعدما عجزت تلك الإدارة عن العثور على أية أدلة تمكنها من توجيه تهمة الإرهاب لهم أو حتى استمرار ظنون الاشتباه . وكان الإفراج عنهم لا يعنى إلا حقيقة واحدة هي أنهم أبرياء.
لم تصل سمعة الولايات المتحدة في الحضيض الآن لدى القطاع العريض من شعوب العالم إلا لأن هذه الإدارة المتعثرة والمستكبرة التي تدنت إلى آخر درجات السلم في رصيد الشعبية غالبا والحكمة أحيانا، والتي صعدت قياداتها إلى أعلى درجات السلم في الحماقة حسبما أظهرت نتائج استطلاعات الرأي التي أجرتها بعض وسائل الإعلام الأميركية، نادرا ما تملك شجاعة التراجع.
وقد تملك تحت ضغط الرأي العام العالمي نادرا أن تعترف بالوقوع في أخطاء ما بعد الاحتلال، مثلما اعترف بوش الذي يواجه في بلاده موجة من الانتقادات أخيرا مع حليفه «بلير» الذي يواجه هو الآخر في بلاده عاصفة من الاحتجاجات ببعض الأخطاء ومنها قوله إن ما حدث من تعذيب في أبو غريب هو أكبر خطأ أميركي.
متجاهلا أن قراره بغزو العراق ومن قبله أفغانستان كان هو الخطيئة الكبرى التي حملت بلاده العظيمة من العار ما لا تستحق بعدما ثبت أن الاحتلال هو أعلى مراحل الإرهاب. وأن ما ظهر من فضائح في أبو غريب وغوانتانامو هي فقط أعلى قمة جبل الجليد المشينة.
ترى.. أين حمرة الخجل؟
mamdoh77t@hotmail.com