اليوم (الخميس) يتوجه آلاف الكويتيين والكويتيات إلى صناديق الاقتراع لاختيار خمسين عضواً من إجمالي 250 من نساء الكويت ورجالها الذين ظلوا في حلبة التنافس الانتخابي والذين أداروا حملات انتخابية متنوعة على مدار شهر ونيف في أجواء مليئة بالنقاش وفي عرس ديمقراطي تشهده الكويت كل أربع سنوات.
ورغم قصر مدة الاستعداد لهذه الانتخابات التي أخذت الجميع على حين غرة، ورغم الطقس الحار الذي لا يرحم إلا إن الشعب الكويتي برجاله ونسائه قد مر «بكورس» من التثقيف السياسي المكثف، الذي شمل إلقاء الضوء على الكثير من أوجه الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية، مع الاختلاف والتباين في طرح تلك الأوجه وسبل حل إشكالاتها فضلاً عن التنوع في درجة التركيز عليها مجتمعة أم منفردة.
ولا بد من الإشارة إلى أن سقف الخطاب في هذه الانتخابات كان مرتفعاً مقارنة بالسنوات السابقة. ولعل تراكم الأخطاء هو الذي أفضى إلى هذا النوع من الخطاب الحاد مقروناً بظهور حركة شعبية يقودها شباب متحمسون يمثلون مستقبل الكويت.
وتركز نقاش المرشحين على قضايا الفساد الإداري والعملية الانتخابية وما بات يشوبها من شراء للأصوات وتقديم للخدمات، والمطالبة بتقليص الدوائر من خمس وعشرين دائرة إلى خمس دوائر، هذه القضايا كانت محاور أساسية للحملات الانتخابية.
ونستطيع القول إن الهموم المحلية كانت لب المطروح في جميع الأحاديث، مع غياب تام لتناول الشأن العربي أو الإقليمي رغم سخونة التطورات التي تشهدها المنطقة والتي لاشك تنعكس في الوضع الداخلي.
ويمكن أيضاً ملاحظة أن خطاب المرشحات كان خطاباً نسوياً بحتاً تناول القضايا التي تهم المرأة الكويتية على وجه الخصوص من قبيل تعديل قانون الأحوال الشخصية، وإنصاف المواطنة الكويتية المتزوجة من غير الكويتي بالذات من فئة البدون فضلاً عن بعض المطالب المتعلقة بحق السكن والتعليم والصحة.
وعلى هذا لم تخرج المرأة الكويتية من «الشرنقة الأنثوية». وقد نلتمس العذر للكويتية لغضاضة تجربتها، بيد أن الاهتمام الذاتي سمة عامة للناشطات في الشأن العام في جميع المجتمعات تقريباً بالرغم من أن بعض البرلمانات وعلى وجه الخصوص في الدول الإسكندنافية تضم عدداً لا يستهان به من العنصر النسائي.
غير أن هذه الملاحظة لا تقلل من اهتمام المرأة الكويتية بشكل عام في هذه الانتخابات التي تشارك فيها للمرة الأولى، إذ كانت حاضرة في تجمعات مختلف النواب والنائبات بشكل كثيف، تحديداً أولئك الذين يستقطبون جماهير غفيرة أمثال بعض النواب السابقين كالنائب أحمد السعدون وعبد الله النيباري ومسلم البراك وغيرهم.
ولم يقتصر حضورها على ما يسمى بالمناطق الداخلية، بل شمل كل المناطق، مما ينبئ بأن مشاركتها اليوم ستكون بنسب عالية، ربما أعلى من الرجال في كثير من الدوائر.
ولم يقتصر نشاط المرأة على حضور الندوات الانتخابية فحسب، بل ساهمت بشكل فاعل في اللجان النسائية لجميع المرشحين والمرشحات، وبالتالي اكتسبت خبرة إدارة الحملات الانتخابية والتواصل مع الناخبات، بل وأيضاً وفي كثير من الأحيان مع الناخبين الرجال.
وبحضورها للندوات الانتخابية وانخراطها في لجان المرشحين الرجال والنساء، كسرت ذلك الجو من الترقب والتخوف الذي كان يثيره البعض المتحفظ من حضور النساء على الندوات العاملة واختلاطها بالرجال، وهو اختلاط نجده في كل مكان على أرض الواقع، في مجال العمل والدراسة وفي المجالات الاجتماعية الأخرى.
ولعل حدة الحملات الانتخابية وخطابها عالي النبرة قد خلقت توقعات كبيرة عند الشارع، فهو يتوقع أن يتسيد النواب الاصلاحيون المجلس المقبل بحيث يدفعون الكويت دفعة قوية إلى الأمام، هي بأمس الحاجة إليها.
فرغم الممارسات المخلة بالعملية الديمقراطية كشراء الأصوات وتقديم الخدمات إلا إن هناك جمهوراً كويتياً عريضاً يأبى أن يبيع ضميره الوطني لقاء حفنة من الدراهم أو خدمة يستطيع الحصول عليها بصورة قانونية.
ونحمد الله أن هذا الجمهور يمثل السواد الأعظم من الناخبين الكويتيين الذين بإرادتهم الحرة سيحددون نتيجة هذا اليوم المهم في تاريخ الشعب الكويتي.
فالشعب الكويتي في أحلك فترات تاريخه استطاع أن يلتزم بالأطر الدستورية والقانونية ويثبت للعالم تمسكه بالشرعية قولاً وعملاً، ولعل مؤتمر جدة الذي عقد في أكتوبر من العام 1990 خير دليل على ذلك.
ولئن كانت هناك فئة تريد تزوير إرادة هذا الشعب، فإن هذا الشعب قادر على أن يفرق بين الغث والسمين، ويختار الأمين ليمثله لأربع سنوات مقبلة، ستكون سنوات مهمة في منطقتنا الخليجية التي تشهد تطورات سياسية مقلقة في إيران والعراق وربما غيرها من دول الجوار الجغرافي.
يوم طويل يمر على الكويتيين رجالاً ونساء فيه يختبرون إرادتهم الحرة فيمن يختارون، وهو طويل بكل معاني الكلمة، فساعاته إنما تحمل في ثوانيها ودقائقها عملية جماعية لصنع المستقبل والانطلاق بالمجتمع الكويتي إلى بناء دولة عصرية يكون فيها المواطن سيد نفسه.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com