سلطت عملية اختطاف الجندي الاسرائيلي على أيدي المقاومة الفلسطينية واختطاف مستعمر امس، الاضواء على عواقب ازدواجية المعايير التي مارستها المنظومة الدولية بحق المجتمع العربي الفلسطيني وقضاياه المصيرية، فقد سكتت هذه المنظومة على انتهاكات اسرائيل المستمرة لحقوق الشعب الفلسطيني وبخاصة على الصعيد الانساني، مما شجع اسرائيل على الاستمرار في سياسة التطهر العرقي واختطاف النساء والاطفال وسجنهم دون ذنب وبالمخالفة مع المعاهدات الدولية وبخاصة معاهدة جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين اثناء الحرب والآن تبدو اسرائيل وانصارها امام الحقيقة المرة.

وهي أن هناك تطورا نوعيا في أداء المقاومة الفلسطينية الذي اتخذ منحى تعتبره اسرائيل وانصارها بالغ الخطورة لكنها في الواقع لا تملك سبل معالجته على النحو الصحيح، ذلك لأن الرصيد السابق من ارهاب الدولة الاسرائيلي يبدو ثقيلا الى حد يدفع الفصائل المسلحة في فلسطين الى التوحد وتطوير آليات عملها المقاوم ، حيث لم تستطع اسرائيل إنقاذ جنديها المختطف فحسب بل لم تستطع حماية المستعمرين من الاختطاف.

ولا حتى جرؤت على الاعتراف باختطاف المستعمر الذي اكد المتحدث باسم لجان المقاومة الشعبية الفلسطينية اختطافه امس داعيا الاحتلال الى (إحصاء مستعمريه) للتأكد من صحة النبأ ،

وربما هذا التصعيد النوعي هو الذي دعا الاتحاد الاوروبي اسرائيل الى العمل من اجل ايجاد حل سياسي عوضا عن اللجوء للقوة العسكرية لتسوية قضية الجندي المخطوف.

هذا في الوقت الذي اتهمت فيه الولايات المتحدة توجيه الاتهام الى سوريا على لسان سفيرها في تل ابيب ريتشارد جونز وهو ما ينم على انها غير واثقة من ان مزيدا من العدوان الاسرائيلي على غزة سيكون مفيدا لحل الصراع.

وهنا يمكن تحديد ثلاث نقاط ضعف خطيرة طرأت على مسرح الاحداث بسبب التعنت الاسرائيلي ويمكن رصدها فيما يلي:

أولا: تهميش دور السياسيين المعتدلين على الجانب العربي وحشرهم في خندق واحد مع اسرائيل باعتبارهم لم يقدموا ما يفيد للشعب الفلسطيني سواء على صعيد الاعتداءات او الحصار الاقتصادي ، وهذا التهميش يضر بإسرائيل اكثر مما يضر الجانب العربي ، وحادثتا الاختطاف تؤكدان هذا بوضوح.

ثانيا: الوضع الراهن يضعف قدرة انصار اسرائيل في اوروبا واميركا على مساعدتها في حل قضية الاختطاف الحالية او ما يستجد من احداث مشابهة.

ثالثا: عدم موافقة اسرائيل على مبادلة الجندي والمستعمر المختطفين بأسرى واسيرات من النساء والأطفال (126 أسيرة و300 طفل) يرجح كفة المقاومة الفلسطينية ويظهرها بمظهر صاحب الحق الذي يحترم الشرعية الدولية ويطالب بتطبيق العدالة الانسانية في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي اذا الخيار العسكري الذي تتباهى به اسرائيل صار وبالا عليها ومدعاة لخسارة اوراق سياسية عديدة.

خاصة إذا نفذ ايهود اولمرت تهديده بالعدوان واسع النطاق على غزة الذي يحشد له القوات على حدود القطاع منذ عملية الاختطاف وهذا السيناريو المتصاعد لاستعراض العضلات والزعم بقدرة جيش الاحتلال على اختطاف نصف عدد وزراء حكومة حماس ان أراد ذلك، وتفعيل اتهام مشعل بالمسؤولية وهو مقيم في دمشق وتهديده شخصيا بالاغتيال اذا قتل الجندي المخطوف.

والمتابع للتصريحات الصادرة من اسرائيل بشأن تطورات الأزمة يلمح بوضوح حالة الاحباط والارتباك التي تسود صفوف السياسيين والعسكريين على السواء ، فاقتحام غزة عسكريا واعتقال أو اغتيال مزيد من المدنيين أو السياسيين لن يزيد الأمر إلا اشتعالا وتوترا وهو ما يؤكد ضرورة الالتزام بنصيحة ممثل الاتحاد الاوروبي خافيير سولانا بمنح المخرج السياسي فرصة.

فالاسرائيليون يعلمون قبل غيرهم ان العمل العسكري لا ينقذ ارواح المختطفين والدليل على ذلك فشل كل محاولات الاقتحام السابقة لانقاذ رهائن اسرائيليين المدنيين منهم والعسكريين على السواء.

لكن تظل اسرائيل تعول على الخيار العسكري لأنه يخدم اهداف سياسييها دون اكتراث بأرواح المخطوفين مهما كان عددهم وهذا يؤكد ان اسرائيل لا تأخذ بالمعايير الانسانية وحياة البشر في الحسبان عند تنفيذ مقامرة عسكرية.