تعجبني أفكار الباحث الأميركي المسلم من أصل هندي فريد زكريا وإن كنت لا أتفق معها كلها. والباحث المذكور هو أحد الأصوات المسموعة في واشنطن بالإضافة إلى المنظرين الكبار الذين احتلوا الساحة مؤخراً كصموئيل هنتنغتون، وفرانسيس فوكوياما، وبنيامين باربير وآخرين عديدين.
ومعلوم أنه شغل منصب رئيس تحرير المجلة الأميركية الشهيرة «الشؤون الخارجية» لفترة طويلة قبل أن يصبح أحد المحررين الأساسيين في جريدة النيوزويك. وبما أن أصوله إسلامية هندية، بل إنه نشأ وترعرع هناك، فإنه حساس لكل ما يتعلق بقضايا العالم العربي والإسلامي. وربما كان يفهمها أكثر من سواه لأنه يعرفها من الداخل.
الشيء الذي يعجبني فيه هو أطروحته المركزية التي تقول بما معناه: الديمقراطية لا تؤدي أتوماتيكياً إلى الحرية ولا إلى تأسيس نظام ليبرالي دستوري مضاد للاستبداد على عكس ما يتوهم معظم الناس. والدليل على ذلك هو أن الشعوب قد تصوت ـ وبكثافة ـ لقادة ديماغوجيين متعصبين إما عرقياً وإما دينياً وإما الاثنين معاً.
وبالتالي فالديمقراطية قد تؤدي مباشرة إلى الديكتاتورية. وهذا شيء تناقضي وغير مفهوم لأول وهلة ولكن هذه هي الحقيقة. انظر ما حصل في يوغوسلافيا السابقة بعد انهيار الشيوعية.
فالشعب الصربي انتخب قائداً متعصباً هو ميلوسفيتش، والشعب الإيراني انتخب رجال الدين الذين لا يستطيع أحد أن يتهمهم باحترام الليبرالية الدستورية: أي قيم الحرية الفردية، والتمييز بين السلطات الثلاث، والحرية الدينية، وحرية الصحافة التعددية، وحرية التفكير والنشر والتعبير، وتطبيق القانون والدستور على الجميع لا فرق بين كبير وصغير، أو غني وفقير، أو شخص ينتمي إلى الأغلبية المذهبية وآخر ينتمي إلى الأقلية...
والواقع أن النظام الليبرالي الدستوري سبق النظام الديمقراطي إلى الوجود في البلدان المتقدمة لأوروبا الغربية وأميركا الشمالية. ولم تصبح هذه البلدان ليبرالية دستورية وديمقراطية بالكامل إلا في الخمسين سنة الأخيرة.
أما قبل ذلك فكانت ليبرالية دستورية، أي دولة حق وقانون، ولكن ناقصة الديمقراطية. لماذا؟ لأن حق التصويت لم يكن ممنوحاً لكل الشعب وإنما لفئاته العليا فقط. وكانت النساء والطبقات الشعبية عموماً محرومة منه.
ومع ذلك فقد كانت هذه الدول (كإنجلترا أو فرنسا مثلاً) تطبق القانون على الجميع وتحمي الحريات في البلاد. ولا يمكن نعتها أبداً بالاستبدادية لأنها كانت ناقصة الديمقراطية، وتحرم الكثيرين من التصويت.
وبالتالي فالأساس في الحكم هو النظام الليبرالي الدستوري قبل الديمقراطية. الديمقراطية تجيء لاحقاً بعد أن يتطور الشعب ويتثقف ويستنير ويصبح ناضجاً عقلياً وسياسياً. وعندئذ يمكنه الإسهام بشكل فعال، أي على هدى من أمره، في العملية السياسية.
لهذا السبب أقول إن المثقفين الديماغوجيين في العالم العربي أصموا آذاننا بمسألة الديمقراطية صباح مساء دون أن يفقهوا مدلولها العميق أو بالأحرى دون أن يأخذوا بعين الاعتبار المراحل الأساسية التي ينبغي أن تسبقها في الوجود: ألا وهي بناء دولة المؤسسات أو دولة القانون التي تعامل جميع مواطنيها على قدم المساواة وتؤمن لهم الحريات الاقتصادية، والسياسية، والدينية.
ويرى فريد زكريا أن الموجة الديمقراطية اكتسحت العالم بعد سقوط الشيوعية إلا في العالم العربي أو الإسلامي. فهل يوجد استثناء عربي أو إسلامي على الديمقراطية والحرية؟ هل يستعصي العالم العربي على التقدم يا ترى؟ هل هناك شيء فيه مضاد وبشكل جذري لمبادئ الحداثة التنويرية؟ الكثيرون من مُنظِّري الغرب يعتقدون ذلك ما عداه هو ربما لأن أصوله إسلامية.
وقد ازداد الاعتقاد بهذه الأطروحة بعد ضربة 11 سبتمبر وصعود شخص كابن لادن وأشكاله على مسرح التاريخ العالمي. ولكن الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء في القرآن أو الإسلام يمنع الديمقراطية. أو قل ليست الأديان الأخرى، وبخاصة اليهودية والمسيحية، أكثر ديمقراطية من الإسلام على عكس ما يوهمنا بعض المستشرقين أو المنظرين السيئي النية.
وبالتالي فلا داعي لتجريم الإسلام بشكل عام كما يفعل الكثيرون في الغرب وإنما تجريم التفسير المتزمت والمتحجر والخاطئ للإسلام.
يضاف إلى ذلك أن المشكلة تكمن في مكان آخر هو: انعدام الإصلاح الاقتصادي أو الانفتاح السياسي وتقليص مساحات الفقر المدقع في العديد من الدول العربية والإسلامية. هنا تكمن المشكلة الكأداء والداء العضال. وبالتالي فالإصلاح الاقتصادي والسياسي في رأي فريد زكريا يسبق الإصلاح الديني ويمهد له الطريق.
والدليل على ذلك أن المسيحية في الدول الأوروبية المتطورة لم تجدد فتاواها اللاهوتية وتعاليمها وموقفها المعادي للحداثة إلا بعد أن انتصرت هذه الحداثة على كلا الصعيدين الاقتصادي والسياسي وأدت إلى رفع مستوى المعيشة للطبقات الشعبية. عندئذ اضطر رجال الدين المسيحيون إلى إعادة تفسير النصوص الدينية لكي تتماشى مع قيم العالم الحديث.
ربما كان كلام فريد زكريا صحيحاً إلى حد النصف فقط. فنحن نعلم أن الإصلاح الديني في أوروبا سبق الإصلاحات السياسية والاقتصادية أو قل رافقها وتزامن معها على الأقل. وبالتالي فلا داعي للتقليل من أهميته كما يفعل المنظّر الأميركي الهندي المسلم. وهو على أي حال لا ينفي أهميته على الإطلاق بل يدعو إلى تجديد مناهج التعليم الديني في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي ويعتبره ضرورة قصوى.
ولكن لا أعرف لماذا يعتقد أن هذا الإصلاح الديني سيكون تحصيل حاصل بمجرد نجاح الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. فهل هو ماركسي يا ترى دون أن يدري؟ هل يعتقد بأولوية البنية التحتية على البنية الفوقية؟ لا أعرف، كل ما أعرفه هو أنه فيما عدا هذه النقطة فإنني أتفق تماماً مع أطروحته المركزية: ألا وهي أن الدولة الليبرالية الدستورية، دولة القانون والمؤسسات الحديثة تسبق الديمقراطية وتمهد لها الطريق.
بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة يمكن أن نشخص أزمة العالم العربي والإسلامي على النحو التالي: إنه محصور بين فكي كماشة، إنه محصور في الزاوية بين أنظمة قسرية من جهة، ومحصور من قبل حركات أصولية متزمتة تكتسح شرائح واسعة من المجتمع من جهة أخرى، وإذا ما طبقنا الديمقراطية عليه فوراً فإن أعداء الحرية والليبرالية الدستورية سوف يربحون الانتخابات ويصلون إلى السلطة في كل مكان كما حصل في إيران سابقاً، أو في فلسطين مؤخراً.
وبالتالي فمعضلة الديمقراطية رهيبة في العالم العربي وقد حيرت حتى الأميركان! ولا أحد يعرف كيف يمكن حلها وربما كان ذلك متعذراً في المدى المنظور. والغرب يعرف ذلك جيداً. فهو إذا ما ضغط على الأنظمة أكثر مما ينبغي انهارت وحلت محلها أنظمة أخرى أسوأ بكثير.
وهذا ما قاله الأمير بندر بن سلطان للأميركان بعد 11 سبتمبر. فقد حذرهم من خطورة التسرع كرد فعل على الحادثة قائلاً: النظام البديل سيكون أبشع من طالبان! وهذا ما قاله الرئيس مبارك لدبلوماسي أميركي مخضرم فاتحه في مسألة التسامح مع المعارضة فرد عليه: هل تريد أن يصل الإخوان المسلمون إلى السلطة؟ وهذا ما قاله المرحوم ياسر عرفات لبيل كلينتون عندما ضغط عليه أكثر من اللزوم: هل تريد أن تقتلني حماس وتأخذ مكاني؟ وقد أخذته.
ولكن ما العمل إزاء هذه المعضلة المحيرة؟ لا يوجد حل سحري أو فوري يقضي على كل المشاكل دفعة واحدة. وإنما سيحصل الحل على مراحل ومن خلال إجراء الإصلاحات التدريجية من اقتصادية وسياسية وتعليمية كما يحصل في بعض دول الخليج والمغرب العربي وإعطاء الناس مهلة كافية لكي يهضموا هذه الإصلاحات ويتطوروا أكثر فأكثر.
كاتب سوري
باريس