مازال من السابق لأوانه الحديث بتفاؤل عن الوضع في العراق. حالة البلد المعقدة، المفخخة والسريعة العطب لا تسمح بالذهاب إلى حد التبشير ـ حتى لا نقول المراهنة ـ بالفرج القريب. لكن هذا لا يمنع من التوقف عند بعض التطورات الإيجابية، نسبياً، وإدراجها في خانة المؤشرات المشجعة. على الأقل لأنها جديدة على الساحة.
كما أنها تختزن تحولات، قد تشكل بداية الطريق إلى خروج البلد من النفق المظلم الذي دخله؛ منذ سقوطه تحت الاحتلال. بالإضافة إلى أنها تأتي، ولأول مرة، في إطار العملية السياسية؛ على تعثرها والأعطاب والمخاطر التي تهددها. ويزيد من أهميتها أنها توالت في أعقاب طرح رئيس الحكومة، نوري المالكي، لمشروع المصالحة الوطنية.
من صلب هذا المشروع، فتح حوار مع القوى العراقية التي لم تشارك في العملية السياسية؛ مع العفو عن من لم يرتكب جرائم حرب أو جرائم إرهابية، أول من أمس بادرت سبعة فصائل مسلحة إلى التواصل مع رئيس الحكومة واقتراح هدنة تفسح في المجال انضمامها إلى مشروعه للمصالحة والحوار. استجابة ملفتة، خاصة وأن هذه الأطراف وصفت بأنها «ذات تأثير بالغ في ساحة المقاومة». وقد ذكرت بعض الصحف العراقية أسماءها.
ولم يستبعد أحد نواب البرلمان أن يقوم المالكي «بلقاء هذه الفصائل بشكل مباشر أو غير مباشر».
لا شك أنها أخبار سارة للمالكي وللعراق والعراقيين، فإذا كان التجاوب بمثل هذا الوضوح؛ وإذا تحقق اللقاء وأثمر عن نتيجة ملموسة يكون ذلك بمثابة أول الغيث الواعد. مغادرة السلاح واللحاق بقافلة السياسة في العراق النازف، تطور نوعي كبير، خاصة اذا توسعت دائرة هذا الالتحاق، وبكل حال هي بداية تفتح باب الأمل ولو مواربة.
واكب ذلك اعتراف إدارة بوش بخطة لبدء الانسحاب. لأول مرة تبوح بمثل هذا الأمر. صحيح أن الخطة «ليست نهائية»، كما تقول؛ وصحيح أنها مرهونة، «بتطور الأمور الأمنية على الأرض». لكن الخلفية مع السياق، يؤشران إلى أن بداية الانسحاب باتت بحكم الأمر الحاصل..
التعثر الأمني، ضغوط الداخل وهبوط شعبية بوش؛ كلها جعلت من الإسراع في المغادرة، خياراً مفروضاً.
جريدة نيويورك تايمز ذهبت إلى حد عرض تفاصيل هذه الخطة، التي تشير إلى خفض تدريجي يبدأ الربيع المقبل ويتواصل في عام 2008 لينتهي تماماً في العام 2010. وبذلك تكون هناك بدايتان مشجعتان: بداية مصالحة داخلية رافقها الإعلان عن بداية قادمة لرحيل القوات الاحتلالية عن أرض العراق. وبذلك تبدو الأوضاع وكأنها صارت مرشحة للدخول في حقبة مختلفة، لها قواعدها المختلفة.
وإذا كان من المتعذر التكهن، من اليوم، بالمحطات والمطبات والانجازات للمسيرة العراقية «الجديدة»؛ فإنه ليس من المجازفة القول بأن مدى نجاحاتها في تحقيق انطلاقة جديدة للعراق، مرهون بمدى النجاحات المحققة في عملية المصالحة الوطنية وبالتالي في عملية البناء السياسي. هنا مربط الفرس. من الأصل كان ذلك هو المدخل لإنقاذ البلد وإعادة تعويمه. ولا يزال الآن وغداً، هو كذلك. فمن هذه البوابة ينهض العراق أو لا ينهض.
مشروع المصالحة والردود الأولية الإيجابية بخصوصه، وما رافقه من حديث عن جدولة الانسحاب لقوات الاحتلال؛ محطة فارقة وفرصة جديرة بالتفعيل وبالإصرار على عدم السماح بتفويتها.