دخلت هيئة الإمارات للهوية باحثاً عن مكتب المدير، هذه هي العادة عندما تذهب إلى أي مكان فيه معاملات وتسجيل وإصدار أوراق رسمية، إذا بدأت من مكتب المدير وحصلت على تأشيرته أو مباركة مدير مكتبه كنت من الفائزين، وتيسرت لك كل السبل وذللت كل العقبات، وخرجت بعد ساعة أو أكثر وابتسامة عريضة تغطي محياك.

أما إذا اخترت طريق «الكاونتر» وسبرت سكك الإشارات والأسهم والمسميات، فلا تجوز عليك غير الدعوات بأن يكون الله في عونك، وتجد من يقبل استلام معاملتك، وآخر يرضى بأن يوجهك إلى الاتجاه السليم، وثالث يمنحك رقما يجلسك في صف ليس فيه أحد ولكنك لا تبلغ الدور لعدة ساعات، وإذا صادف ووصلت، ظهرت أمامك النواقص والاحتياجات، فتخرج لتعود، ثم تعود، وتعيش مأساة لعدة أيام.

في هيئة الهوية وقف شاب بشوش و«مرحباني» مستفسرا عن الغرض من الزيارة، وبعد ان ألقى نظرة سريعة على الأوراق منحنا رقما، ثم وجهنا إلى الدور الأول مؤكدا بأننا سنسمع رقمنا فور وصولنا إلى هناك، وقد كان، وتنقلنا ما بين أربعة أقسام أنجزت فيها كل متطلبات التسجيل للهوية الجديدة في وقت لم يتجاوز نصف الساعة.

وعبر فريق عمل ربما لم يبلغ أكبرهم الخامسة والعشرين من عمره، وكلهم مواطنون، وضعوا معي عشرة خطوط تحت كلمة «مواطنون» وأرسلوها إلى المسؤولين في الوزارات والهيئات والمؤسسات الرسمية التي تحارب توطين الوظائف، فالشباب الذين رأيتهم في هيئة الهوية يقومون بأعمال دقيقة وبعضها فنية وتخصصية، مثل أخذ البصمة عبر احدث الأجهزة وكذلك إعداد قاعدة البيانات.

وللحقيقة أقول لكم إنني خرجت من هناك دون أن اعرف من هو مدير الهيئة، وهي المرة الأولى التي تنجز فيها معاملة دون الاستعانة به، وفي هذا الوقت القياسي، ومرد ذلك بلا أدنى شك هو الأساس السليم الذي وضع لهذه الإدارة الجديدة بنظامها وسلاسة مراحلها، وأيضا لأن الذين اتخذوا قرار توطين الإدارة بأكملها تقريبا هم من الجيل الإداري الواثق بأبناء بلده من حيث الكفاءة والقدرة على العطاء، مثبتين أن نظرية اللاتوطين خدعة يمارسها البعض لتحقيق مصالح شخصية أو خوفا على المناصب.

وحتى لا اخرج من الهيئة دون ملاحظة سلبية، كما هي العادة، فقد اطنبنا في المدح، وبقي ان نقول لإدارة الهيئة ان اسمكم «هيئة الإمارات للهوية»، وكما تعلمون فإن هوية هذه الأرض بناسها وبانتمائها هي اللغة العربية، ولا أظن ان الإخوة يختلفون معي قيد أنملة في هذا الشأن، ولهذا أقول لهم لماذا تتقدم اللغة الانجليزية على اللغة العربية في النداء على أصحاب المعاملات بأرقامهم؟

ثم لماذا تكون اللوحات الالكترونية المتحركة مكتوبة باللغة الانجليزية دون العربية؟ ولا أظنني بحاجة إلى إجابة، لأنها لن تكون بعيدة عن أمرين، أولهما عدم الانتباه إلى مدى تأثير ذلك على «هوية» كل مراجع لهيئة الهوية، وثانيهما ان البرنامج قد اعد كذلك، وهذا أو ذاك يمكن إصلاحهما بشكل فوري، حتى تكون لغتنا هي الأولى في تفاصيل هويتنا.

myousef@albayan.ae