قبل التوغل الإسرائيلي في رفح بأيام تناولت في مقالة نشرت في «الحياة الجديدة» الفلسطينية مسألة إطلاق القذائف الصاروخية على التجمعات السكانية الإسرائيلية حول غزة. وكيف أن هذه القذائف تؤدي إلى أضرار صوتية في الجانب الإسرائيلي.
ولكنها أيضا تؤدي إلى قصف صاروخي ومدفعي حقيقيين ومؤلمين من جانب إسرائيل، بل إن هذه الصواريخ قتلت في الجانب الإسرائيلي عاملين تبين أنهما عربيان من الداخل فقط وقتلت مئات الصيصان في إحدى المزارع الإسرائيلية وأن بعض الصواريخ سقط على منازل فلسطينية في غزة وأدى ذلك إلى مقتل عدد من الفلسطينيين ولم تتم مساءلة مطلقيها عن هذا الخلل.
ففي حساب الربح والخسارة يجب إعادة النظر في سياسة إطلاق الصواريخ اليدوية الصنع طالما أنها تسقط قبل وصولها إلى أهدافها وتقتل مدنيين فلسطينيين وإذا عبرت الحدود لم تؤد إلى خسائر.
بل إن استخدام تسمية صواريخ لوصفها فيه مبالغة لأنها مجرد قذائف.. لكن الإعلام الإسرائيلي الخارجي يستخدم ذلك في دعايته لأن المتلقي الأجنبي عندما يسمع نبأ عن سقوط صواريخ يظنها صواريخ من أسلحة الدمار الشامل وأن مطلقيها هم جيش فلسطيني رسمي تتحمل السلطة مسؤوليته.
فيما أن الأجنحة العسكرية الكثيرة تعمل على هواها.. وتطلق الصواريخ معرضة أفرادها للاغتيال أثناء وبعد أو قبل القصف بعد رصدهم جواً. فقد سقط العشرات من المقاومين جراء ذلك دون مقابل من الجانب الإسرائيلي ناهيك عن المدنيين الأبرياء والأطفال. هذه المعادلة المقلوبة عسكرياً ما كان يجب ان تستمر ودعوت قادة الأجنحة العسكرية إلى التنسيق فيما بينها في هذه المسألة مثلما يتحاور السياسيون في غزة.. وشبهت هذه الصواريخ بمدفع حمص..
حيث تقول حكاية إن عداء مستحكماً كان بين أهالي حمص وحماة وتقدم أحد سكان حمص باقتراح صنع مدفع عملاق لقصف حماة وطلب مالاً وأمر الأهالي بحشوه بكل ما عندهم من مسحوق بارود ومعادن وفي اليوم الموعود أطلقه..
فانفجر المدفع وأوقع إصابات بليغة في أهالي حمص.. وكابر صاحب الاقتراح ووقف يقول أرأيتم ما حدث عندنا.. فما بالكم الآن بما اوقعه من خسائر في حماة. المعادلة إذاً كانت معكوسة عسكرياً ولا أحد تجرأ على نشر قائمة بأسماء ضحايا انفجار الصواريخ على منازل في غزة وهم أكثر من عائلة..
وبينهم نجل وزير شؤون الأسرى السابق هشام عبدالرازق الذي فقد ذراعه عندما سقط صاروخ على منزل أقارب له كان يقوم بزيارتهم وأوقع ضحايا. لكن البعض اتخذ من الدعوة إلى التنسيق بين الأجنحة العسكرية في مسألة إطلاق الصواريخ مدخلاً للنيل من الكاتب وأصدر بعض الأشخاص في جناحين عسكريين من ألوية الناصر صلاح الدين وكتائب ابوالريش في رفح بياناً مطالبا الكاتب بالاعتذار، وتبين أن جناح حماس في ألوية صلاح الدين يقف وراء ذلك.
فيما رفضت كتائب الأقصى وسرايا القدس التابعة للجهاد ولجان المقاومة الشعبية المشاركة في البيان، ولقي مضمون المقال ارتياحاً جماهيرياً خاصة في رفح..
حيث أغلق الإسرائيليون المعبر بسبب إطلاق صاروخين نحو معبر كرم سالم بين مصر والكيان الإسرائيلي وتبين أن تنظيماً فلسطينياً منشقاً على نفسه أهمل الرئيس ابو مازن أحد شقيه ولم يدفع له مخصصات اقترض صاروخين وأطلقهما نحو معبر كرم سالم فأغلق الإسرائيليون المعبر الوحيد لرفح كنوع من الضغط على أبو مازن.
وأثناء ذلك كانت جلسات الحوار حول وثيقة الأسرى مستمرة في غزة وقيل لي إن رئيس الوزراء إسماعيل هنية كان يتبنى وجهة نظري في حواره مع الفصائل لوقف الصواريخ وإعادة النظر في هذه السياسة بحيث لا تكون عشوائية ودون تخطيط ودون هدف سياسي.
وهي وجهة نظر الرئيس أبو مازن أيضا. لكن أبا مازن من عادته الإسهاب في هذا الشأن وفي جلساته الخاصة يتحدث عن الأفق الواعد الذي كان أمام غزة للانتعاش اقتصاديا بعد الانسحاب الإسرائيلي وكيف كانت هناك عدة مشاريع استثمارية ضخمة في طريقها للانطلاق لكن كل هذا توقف بعد اشتعال حرب الصواريخ والقصف المتبادل.
وحتى معبر رفح المتنفس الوحيد لغزة صار مهدداً بالإغلاق من قبل الإسرائيليين كلما شاءت ما يهدد بحرمان حكومة حماس من منفذها لإدخال الأموال من الخارج.. ثم بدأت سياسة التوغلات والاجتياحات لمناطق في غزة.
والسؤال هو هل ثمة جهة ما استهدفت توريط حكومة إسماعيل هنية والرئيس ابومازن باستدراج إسرائيل إلى إعادة احتلال بعض أجزاء في غزة خاصة الحدود مع مصر؟ أم ثمة من يريد إحباط الحوار الوطني الذي اقترب من الاتفاق حول وثيقة الأسرى؟
فالمعلومات المتوفرة تشير إلى أن الحديث الآن ينصب حول عقدة الحكومة أي إقامة حكومة وحدة وطنية جديدة، مؤهلة دوليا حتى بزعامة حماس. لأن الاتفاق على وثيقة الأسرى كما قلنا في الأسبوع الماضي لا يعني بالضرورة الحصول على ضوء أخضر أوروبي أميركي.
فما زال الأميركيون يؤكدون على أن شكل الحكومة لا يهمهم وأن الوثيقة شأن داخلي فلسطيني.. وما يهمهم هو اعتراف من حماس بإسرائيل والقرارات الدولية ونبذ العنف. وهذا يجري البحث فيه لكن فتح تريد أولا الاتفاق على مبدأ إعادة تشكيل الحكومة قبل كل شيء حتى لا يتم الاتفاق على وثيقة الأسرى وتبقى هذه العقدة بلا اتفاق.
لكن التدخل الإسرائيلي قد يفسد كل شيء ويعيد الأمور إلى نقطة البداية، فإذا أعاد الإسرائيليون احتلال بعض أجزاء من غزة فإن الحوار سيتراجع، ولا يخفى على أحد أن الإسرائيليين يطمحون إلى النيل من بعض قادة حماس تحت أي مبرر خاصة بعد إعلان كتائب القسام مشاركتها في عملية كرم سالم..
فليس لدى إسرائيل أي رغبة في رؤية حكومة حمسوية تتأهل دولياً وتمارس العمل السياسي والدبلوماسي على قدم وساق مثل الحكومات السابقة، لأن أيهود أولمرت ما زال عند رأيه في أن خطة الانسحاب الأحادي من الضفة هي الأمثل لعدم وجود شريك فلسطيني وما زال يعتبر الرئيس ابو مازن شريكاً ناقصاً لأنه لا يتحكم بالحكومة ولا يريد تكاملاً بين حكومة تقودها حماس وتحظى بقبول دولي والرئيس الفلسطيني الذي يمثل حركة فتح.
ثمة من عكر صفو الحوار الفلسطيني سواء من الجانب الفلسطيني أو الجانب الإسرائيلي وأحرج حكومة هنية والنتيجة أن غزة التي توقعت الرخاء بعد الانسحاب عادت إلى ما دون خط الفقر بدرجات وتتعرض للقتل والدمار اليومي بلا ثمن.
رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين