مقولة أن «مصير العرب يتقرر في فلسطين» تبقى مقولة صحيحة حتى وإن بدى بعد الغزو الأنجلو أميركي أن مصير العرب يتقرر في العراق.. من هنا فإن لا بديل أمام العرب سوى مواجهة مسؤولياتهم التاريخية لوقف نزيف الدم الفلسطيني، وتوفير الشروط لاستعادة الحق العربي في فلسطين.
فما يتوفر لأمة عربية من وزن وعمق وامتداد يجعل بمقدورها أن تفعل الكثير من أجل فلسطين لو توفرت لديها إرادة الفعل الحقيقية والجادة، فلا يليق بها ولا بشعوبها بما تملك من طاقات وعناصر ضغط وتأثير أن تقبل أن تبقى القضية طوال هذه العقود دون حل عادل، أو أن تقبل على نفسها قبول المهانة التي توجهها إسرائيل لقياداتها ولشعوبها بمشاهد المجازر الإسرائيلية ضد الأطفال والنساء والمدنيين الأبرياء لينزف دم الشهداء على الأرض الفلسطينية دون رد يوقف هذا النزيف!
إن هذا الشعب الصامد والصابر يتحمل عن الأمة كلها مسؤولية الدفاع عن مقدساتها وعن شرفها وعن كرامتها ولا يمكن قبول أن تصمت الأمة على الإرهاب الإسرائيلي بفعل الدعم الغربي ، وبفعل القبول العربي باستقبال قادته لالتقاط الصور الاستفزازية المجانية على موائد الغداء والإفطار وحفلات الاستقبال ، بينما على شاشات التلفزيون وعبر نشرات الأخبار في نفس اللحظة تتوالى الصور المدفوعة الثمن لحرب التجويع الفلسطيني و لحفلات القتل الجماعي ومواكب تشييع الشهداء.
بل الأكثر مدعاة للإهانة والمرارة أن «إيهود أولمرت» آخر الزوار الرسميين الصهاينة لأشهر المنتجعات العربية في «شرم الشيخ» المصرية و«البتراء» الأردنية كانت قواته قبل كل زيارة وبعدها تقيم حفلة قتل!
وأثناء كل زيارة وفى حضور مضيفه العربي ، يعلن بكل صلف عن الاستمرار في الغارات الجوية وعمليات المداهمات الإرهابية الأرضية داخل المدن و المخيمات، و الاعتداءات البحرية لارتكاب المجازر ضد الآمنين من الأسر الفلسطينية على شواطئ «غزة ».
بل إن «الضيف الصهيوني» لم يتردد في ترديد الشروط لمجرد القبول بالجلوس على طاولة أى محادثات رسمية مع الرئيس الفلسطيني الذي يقبل بشروط إسرائيل في الاعتراف ، وفى الالتزام بالاتفاقيات الموقعة وبخارطة الطريق الأميركية ، وفى التخلي عن الكفاح المسلح، ولا يرفض القبول بالجلوس معه على مائدة الإفطار.
إن هذا الذي يجرى في المشهد السياسي الرسمي العربي يمكن فهم أسبابه ، لكن لا يمكن قبوله، لكن الذي لا يمكن فهمه أو قبوله هو المناهضة العربية الرسمية لإرادة الشعب الفلسطيني والتي عبر عنها بأعلى صوت بانتخاب برنامج «حركة المقاومة الإسلامية» الرافض للاعتراف المجاني بإسرائيل التي تحتل 80% من أرض فلسطين ، بينما لا تزال حتى هذه اللحظة ترفض التسليم بالانسحاب من ال20% المتبقية من أرض فلسطين .
والذي لا يمكن فهمه أو قبوله هو الانزلاق العربي لحصار الحكومة الفلسطينية وتوجيه الاتهامات لها تحت الضغط الأميركي في محاولة لإسقاطها أو إفشالها أو ترويضها للتخلي عن الثوابت التي انتخبها الشعب الفلسطيني على أساسها بما يشبه الاغتيال السياسي لحركة المقاومة، وبما يعاقب الشعب الفلسطيني.
أما ما جرى ويجري في المشهد الفلسطيني سياسيا وميدانيا هو الأكثر مدعاة للحيرة والمرارة معا بما لا يمكن فهمه أو قبوله والسماح به من أي عربي شعبي أو رسمي .. إذ كيف يمكن لفتح تفويت الفرصة التاريخية لقيام حكومة وحدة وطنية فلسطينية بعد الانتخابات قبولا لدعوة حماس واليوم ترتفع أصواتها بأن الحل هو في تشكيل مثل هذه الحكومة؟.
وكيف يمكن السماح بتوجيه السلاح الفلسطيني إلى المؤسسات الرسمية والشعبية وإلى الصدور الفلسطينية لينزف الدم الفلسطيني بأيدٍ فلسطينية مهما بلغت الخلافات السياسية الثانوية ، بينما آلة القتل والإرهاب الإسرائيلية تواصل كل صور العدوان الوحشية على الشعب الفلسطيني؟، وأخيرا..
كيف يمكن الاختلاف إلى حد التشنج السياسي، والخلاف إلى حد المواجهة المسلحة حول «استفتاء» لن تعترف بنتائجه إسرائيل وعلى مبادئ وثيقة مهما كان شرف مقاصدها ومهما بلغ الإجماع حولها لا تلزم إلا الفلسطينيين من جانب واحد، بينما تصر إسرائيل على تلبية شروطها الثلاثة لا لكي تسلم بالحقوق ، ولكن لكي تتفاوض .. مجرد تفاوض أو الحل من جانب واحد؟
فهل نسى الرئيس «أبومازن» ما جرى للزعيم «أبو عمار» رغم القبول بالشروط الثلاثة عندما رفض فقط التخلي عن القدس وحق العودة لشعب فلسطين؟، وهل يمكن للعرب أن ينسوا أن مصيرهم سوف يتقرر في فلسطين؟
mamdoh77t@hotmail.com