تحولت قضية الجندي الاسرائيلي الذي أسره رجال المقاومة يوم أمس الاول الى حدث عالمي، حيث تسابقت الحكومات العربية قبل الاجنبية، للمطالبة بإطلاق سراحه فورا، وكأنه طفل بريء ضل طريقه إلى الاراضي الفلسطينية.

المطالبون بإطلاق سراح هذا الجندي ينسون إنه كان داخل دبابة اسرائيلية، ويستعد لاقتحام مدينة رفح وقتل العشرات من ابنائها، أي انه لم يكن في مهمة انسانية يوزع الحلوي والهدايا على اطفالها.

القوات الاسرائيلية اقتحمت المدينة نفسها قبل يومين فقط، واختطفت عنصرين قالت إنهما من حركة حماس ، ولم نسمع صرخة احتجاج واحدة من أي حكومة غربية علي أعمال القرصنة الاسرائيلية الرسمية هذه التي تمت في وضح النهار.

الرئيس المصري حسني مبارك الذي يرسل وفوده الامنية إلى قطاع غزة ممثلين للحكومة الاسرائيلية، وحاملين تهديداتها بالاجتياح في حال لم يتم الافراج الفوري عن الجندي، لم نسمع أي إدانة من جانبه للمجزرة الاسرائيلية التي ارتكبها صديقه ايهود اولمرت على شاطيء قطاع غزة، أو الثانية التي وقعت بعدها بيومين في مدينة خان يونس وكان من بين شهدائها أربعة اطفال.

ماذا سيخسر أبناء القطاع إذا اعادت اسرائيل احتلاله، فهم يواجهون الجوع بسبب عدم دفع الرواتب، والبطالة بسبب إغلاق المعابر امام منتوجاتهم الزراعية وأياديهم العاملة، والتوغلات وعمليات الاغتيال الاسرائيلية شبه اليومية لنشطائهم.

إعادة الاحتلال ستسمي الاشياء بأسمائها، وتضع حدا لأكذوبة اسمها السلطة، خدعت العالم بأسره قبل ان تخدع الشعب الفلسطيني، واعطت انطباعا بقيام شبه دولة ووجود شبه رئيس وشبه حكومة وأشباه وزراء، بينما الواقع هو احتلال بغيض، وسجن كبير لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني يواجهون شتي أنواع الإذلال على المعابر التي ما زالت الدولة العبرية وأجهزتها الاستخباراتية تتحكم بها، وتملك الكلمة الاخيرة تجاه من يعبر أو لا يعبر.

الحكومة المصرية توسطت قبل عامين لدى رجال المقاومة لتسليم رأس جندي اسرائيلي قتل في احدى العمليات، ووصل اللواء عمر سليمان الى غزة من اجل هذه المهمة السامية، ولكن ماذا حدث بعدها؟ حدث اغتيال جميع افراد المجموعة وتدمير اكثر من مئتي منزل في مدينة رفح نفسها من قبل البلدوزرات الاسرائيلية.

العملية الفدائية التي استهدفت القوات الاسرائيلية في معبر كرم ابو سالم جاءت نوعية بكل المقاييس وتكشف عن دقة كبيرة في الاعداد والتنفيذ، الامر الذي يؤكد عبقرية فصائل المقاومة وقدرتها في الوصول الى اهدافها بكل سهولة ويسر.

القوات الاسرائيلية تملك تفوقا عسكريا هائلا على الارض، من دبابات متقدمة وطائرات استطلاع ومروحيات، ولذلك خرجت لها هذه المجموعة الفدائية من تحت الارض مثل الجن، وألحقت بها خسائر مادية ضخمة ومعنوية اضخم.

ليس صحيحا ان الذين نفذوها أرادوا نسف الحوار الوطني، والاتفاق الذي كان وشيكا بين رئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزرائها اسماعيل هنية، فعملية الاعداد لها، وحفر النفق الذي استخدم في تنفيذها بدأ قبل نضوج فكرة الحوار، وتهديدات الرئيس عباس باللجوء الى الاستفتاء.

اشتراك كتائب عز الدين القسّام الجناح العسكري لحركة حماس في هذه العملية الى جانب لجان المقاومة الشعبية والجيش الاسلامي، هو دليل واضح على انتصار الجناح المتطرف الرافض للانخراط في العملية السياسية القائمة على أرضية اتفاقات اوسلو، والمتمسك بثوابت الحركة في عدم الاعتراف بالدولة العبرية، واتفاقات السلام الموقعة معها.

إن اكبر خطأ ارتكبته الولايات المتحدة وأوروبا هو قبولها بوجهة النظر الاسرائيلية المطالبة بقطع المساعدات عن حكومة حماس وعزلها عربيا ودوليا، فلم تظهر كما لو انها تعاقب الشعب الفلسطيني علي خياره الديمقراطي الحر والنزيه، وانما ايضا عملت على اضعاف الجناح المعتدل في الحركة الذي اصرّ على خوض الانتخابات التشريعية، والالتزام بالهدنة ووقف كل العمليات الفدائية والاستشهادية منها على وجه الخصوص.

الشعب الفلسطيني تكيف مع الجوع، وبدأ ينسى تدريجيا مسألة الرواتب، ويتعايش مع الحصار المفروض عليه، ولهذا بدأ هذا الحصار يعطي نتائج عكسية، فبدلا من إسقاط حكومة حماس وتعزيز سلطة الرئيس عباس وحزبه، التف الشعب الفلسطيني بصورة أكبر حول هذه الحكومة لأنه دائما يقف الى جانب الضحية، والطرف الاضعف وهي سيكولوجية عربية واسلامية يصعب على الغرب فهمها.

اولمرت سيستمر في التهديدات وسيواصل حشد الدبابات والدروع على حدود قطاع غزة، وستستمر ايضا الوساطات العربية ولكن المؤمن الفلسطيني لا يلدغ من جحر السماسرة العرب مرتين.

فإدارة الأزمة الحالية تبدو مختلفة عن المرات السابقة، فقد تحرك اهالي الاسرى في مظاهرات تطالب بعدم الافراج عن الجندي الأسير قبل الافراج عن فلذات اكبادهم كما ان المجموعة التي اسرته رفضت ان تدلي بأي معلومات عنه قبل الافراج عن كل النساء والاطفال في المعتقلات الاسرائيلية.

وربما لا نبالغ إذا قلنا ان اسر هذا الجندي هو الذي عطل الاجتياح، واعطي حركات المقاومة مساحة اكبر من الوقت للاستعداد لمواجهته وحشد الرأي العام العربي والعالمي ضده من خلال إبراز مسألة الأسرى الفلسطينيين الذين يفوق عددهم العشرة آلاف وبينهم اطفال.

حزب الله افرج عن خمسمئة من المعتقلين اللبنانيين والعرب مقابل رفات جنود اسرائيليين قتلوا في لبنان، والشيء نفسه فعلته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة في مطلع الثمانينات في اطار ما سمي في حينه عملية النورس لتبادل الأسرى.

اجتياح القطاع قد لا ينجح في إنقاذ حياة هذا الجندي الاسير، بل قد يحدث عكس ذلك تماما، اي ان يتعرض للقتل هو ومجموعة اخرى من الجنود الاسرائيليين.

فالمقاومون في القطاع يملكون قذائف مضادة للدروع، ومن غير المستبعد ان يكونوا قد زرعوا ألغاما ضخمة للدبابات المغيرة لاصطيادها أو بعضها مثلما حدث في اجتياحات سابقة.

ندرك جيدا أن أرواحا بريئة ستسقط شهيدة إذا ما اقتحمت الدبابات قطاع غزة، ونشعر بالحزن وشديد الاسف علي ذلك، ولكن لعل الخير يأتي من باطن الشر، ولعل الزعماء العرب وجيوشهم الذين لم يحركوا ساكنا لعويل طفلة شاطىء غزة، ولم تنظم شعوبهم مظاهرة واحدة احتجاجا، لعل بقايا نخوة تتحرك فيهم، ويتعاطفون مع اسرى قطاع غزة مثلما يتعاطف بعضهم مع الجندي الاسرائيلي الأسير.