حتى لا تكون مشاركة الجهات الأمنية في فعاليات الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة المخدرات مجرد احتفالية نمطية لا تخرج عن إطار استعراض لجهود الدولة في مجال المكافحة .
وتقديم أرقام وإحصائيات بأعداد المدمنين والمتورطين في قضايا المخدرات ونصائح يبثها رجال المكافحة للأسر والشباب ومعارض تقام هنا وهناك حول الآثار المدمرة التي تخلفها المخدرات والإدمان على من يقترب منها، وينتهي اليوم، وبانتهائه يصبح كل شيء في مهب الريح «وتوتة توتة خلصت الحدوتة».
نقول لا شك في اهتمام السلطات بمشكلة المخدرات و على يقين بأن هناك جهوداً جبارة مبذولة لحماية الوطن من هذه الآفة خاصة وأن بلادنا مصنفة كدولة عبور للمخدرات نظرا لموقعها الجغرافي، ما يعني أن العبء الملقى على عاتق رجال مكافحة المخدرات كبير، خاصة مع تعدد منافذ الدخول، و على الرغم من ذلك فالعيون ساهرة ويقظة لدرأ الخطر عنا.
وقد تكون مناسبة لأن نوجه من الأعماق تحية صادقة ملؤها الشكر لأبناء الدولة الذين يقدمون جهودا مخلصة حبا في الله ثم الوطن و تلبية لنداء الواجب.
ولكن حتى تكون الجهود تلك أكثر جدوى وفائدة، فمن المهم جدا العمل ليس على ملاحقة التجار والمتعاطين والمتورطين في قضايا المخدرات فحسب، بل وتأهيل المدمنين بعد انقضاء مدة العقوبة وهو أمر قائم منذ سنوات لكنه غير فاعل ولا يؤتي النتائج المطلوبة.
هنا سأسرد حكاية شاب تورط بداية في تعاطي الحشيش ولم يكن مدمنا، وفي الحبس عرف الكثير، خرج وتعرف أكثر على المتاجرين بالمخدرات ومتعاطين جدد ومعهم تعاطى كافة أنواع المخدرات، بالطبع خسر في رحلة الإدمان الكثير، نفسه، أهله وظيفته، سمعته، صحته، ليدخل السجن في هذه المرة بتهمة أكبر وهي الاتجار مقابل تأمين جرعاته الخاصة، والعقوبة هذه المرة كانت كبيرة السجن 15 عاما، ضاعت خلاله أجمل سنوات شبابه وراء القضبان، نسي كل شيء حتى ملامح أطفاله الذين كبروا.
وهو بعيد عنهم، فقرر انتشال نفسه من هذا الوحل والتصميم على الخلاص الأبدي من هذه الآفة التي لم تبق له شيئاً، فتوقف عن التعاطي في السجن وغير سلوكه حتى يساعده في الخروج ثم انضم لصفوف حفظ القرآن الكريم ليستفيد من الفرصة التي أتيحت للمسجونين من حفظة القرآن الكريم للخروج.
كان له ذلك وخرج ولا هدف له سوى الاستقامة ونسيان الفترة التي قضاها في السجن ومحاولات إزالة صفة «سجين سابق» من ذاكرته وذاكرة كل من يعرفه.
بدأ رحلة البحث عن مصدر يسترزق منه لكن جميع المحاولات باءت بالفشل فجواز سفره مصادر لدى سلطات الأمن، وشهادة حسن السير والسلوك «محرمة» عليه والأبواب جميعها مغلقة خاصة مع معرفة أنه «رد سجون».
لم ييأس هذا الشاب واستمر على العهد الذي قطعه على نفسه ولم يرضخ لمغريات التجار الذين كانوا في انتظاره، وزادت مع علمهم بما يعانيه ويقاسيه، حتى فتح له أحد المواطنين من أصحاب المال والمشاريع قلبه ومنحه فرصة العمل والكسب، وقبل الفرصة منحه الثقة التي احترمها بدوره وناضل في سبيل تصحيح الصورة عن نفسه في أذهان الآخرين وكان له ما أراد، وأصبح هذا الشاب اليوم ناجحا في عمله كادحا، تغيرت نظرته للحياة و مفهومه للكثير من الأشياء.
لكن ما ينغص على التائب أمر واحد هو نظرة رجال المكافحة له التي يبدو أنها لن تتغير، فهو مطالب بين الوقت والآخر بالخضوع لاختبارات وفحوص تثبت عدم التعاطي.
ولا شيء في هذا، ولكن مع أي ضبطية أو تورط لآخرين في قضايا المخدرات يكون هذا الشاب مطالبا بإعطاء معلومات وغير ذلك، رغم تأكيده أنه قطع كل صلة بهذا العالم ولا يريد أن يكون جانيا ولا مجنيا عليه بل حتى ولا شاهدا، فقط أن يدعوه وشأنه ليحيا حياته هانئا بعيدا عن كل ما له صلة بالماضي الذي لا يتشرف به.
أكثر من سنتين والشاب سائر على درب التوبة والإصلاح و محاولات لنسيان الماضي. ولكن لا فائدة، المطلوب وجود جهة تطوعية مجتمعية بعيدا عن العسكر والجند ورجال المكافحة تحتوي مثل هؤلاء الشباب وتتفهم احتياجاتهم وتأخذ بيدهم وترسيهم على بر الأمان، فلا يظل الواحد منهم يدفع ثمن أخطاء الماضي من حاضره ومستقبله ولا يحياه مثل سائر البشر.